العين عضو بالغ التعقيد، وأي تلف أو مرض يصيب جزءًا من منظومتها البصرية قد تكون له عواقب وخيمة. فتراكم رواسب البروتين والدهون يحرم خلايا ظهارة الشبكية من الغذاء ويؤدي إلى التنكس البقعي. وقد يسبب تراكم البروتينات خلف عدسة العين "الساد" أو الماء الأبيض. وقد تقتل طفرات جينية عشوائية المستقبِلات الضوئية فتصيب العين بالتهاب الشبكية الصباغي. أما تراكم السوائل في العين فقد يتلف العصب البصري وخلايا العقدة الشبكية التي تغذيه، فينشأ الجلوكوما أو المياه الزرقاء التي تُضعف ببطء الرؤية المحيطية، بحسب تقرير نشره موقع "Popular mechanics". تصعب معالجة هذه الأمراض بطرق مختلفة، لكن عصر الطب التجديدي والعلاج الجيني يحمل أملًا كبيرًا لكل منها. فعلماء حول العالم يتسابقون لاستخدام الخلايا الجذعية لاستبدال الخلايا التالفة بسبب التنكس البقعي والتهاب الشبكية الصباغي، بل وتجديد شبابها. والآن أعطت شركة "Life Biosciences" مرضى علاجًا جينيًا على أمل أن تعيد "إعادة البرمجة فوق الجينية" عقارب الساعة إلى الوراء في خلايا العقدة المتقدمة في العمر، وهي الخلايا التي تشكّل محاورها طبقة ألياف العصب البصري، ويقود خللها إلى الجلوكوما. قالت كبيرة المسؤولين العلميين في الشركة، شارون روزنزفايغ-ليبسون، في بيان صحفي: "رغم أن هذه الدراسة من المرحلة الأولى مصممة لتقييم السلامة والتحمّل، فإن الملاحظات الأولية عن تحسّن المجال البصري لدى مشاركَين مشجعة ونحن نواصل تطوير برنامج ER-100. ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة في ترجمة الاستعادة فوق الجينية إلى فئة جديدة من الأدوية للأمراض المرتبطة بالعمر". يستند العلاج الجيني المعروف باسم "ER-100" إلى أعمال ديفيد سنكلير، عالم الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد والشريك المؤسس للشركة الناشئة ومقرها بوسطن. ففي عام 2020 نشر سنكلير مع الباحث الرئيسي يوانتشنغ لو وفريق من زملائه في هارفارد دراسة في مجلة "Nature" بيّنت أن التعبير عن ثلاثة جينات من عوامل النسخ أعاد سمات الشباب إلى خلايا العقدة لدى نماذج من الفئران. وتفيد مجلة "تايم" بأن التقنية المستخدمة بعد ست سنوات على البشر ما تزال مشابهة إلى حد لافت، وأن اثنين من أصل ثلاثة مشاركين أظهرا بعد ثمانية أسابيع من العلاج الأولي تحسنًا ملموسًا. وقالت روزنزفايغ-ليبسون ل«تايم»: "في المواضع التي لم يكونوا يرون فيها جيدًا، أو لم يكونوا يميزون الأضواء، نرى الآن دليلًا أفضل على قدرتهم على ذلك". وفي تجربة من المرحلة 1/2أ لعلاج التنكس البقعي بالخلايا الجذعية المزروعة في جامعة ميشيغان، كان الباحثون معنيين في البداية بإثبات سلامة الإجراء فقط، لكنهم وجدوا أن المشاركين أبلغوا فعلًا عن تحسّن كبير في الرؤية. أشار سنكلير في مقابلة حديثة مع موقع "Innovation & Tech" إلى أن هذا النهج قد تكون له مزايا علاجية تتجاوز العين بكثير. وقال: "الآلية الأساسية التي نشغّلها موجودة في خلايا الجسم كله، والتغيرات فوق الجينية المرتبطة بالعمر تحدث في مختلف الأنسجة، فلا ينبغي أن يكون المبدأ الكامن حكرًا على العين. ونرى بالفعل إشارات مشجعة في مرحلة ما قبل السريرية في أعضاء مختلفة جدًا، منها الكبد، ما يوحي بإمكان أن يصبح هذا منصة، لا دواءً للعين وحدها". على امتداد تاريخ البشرية، ظل فقدان البصر نتيجة حتمية للتقدم في العمر. لكن بفتح باب القدرة التجديدية للبيولوجيا، بات ما كان حتميًا أقل حتمية بسرعة.