تتجه إسرائيل نحو أزمة سياسية معقّدة قد تجعل تشكيل الحكومة المقبلة مهمة شديدة الصعوبة، بعدما أظهرت أحدث نتائج فرز الانتخابات التشريعية، مساء الأربعاء، تراجع معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حققت الأحزاب العربية اختراقاً تاريخياً بوصولها إلى 19 مقعداً في الكنيست. ولم يعد السؤال محصوراً بهوية الفائز في الانتخابات، بل انتقل إلى قدرة أي من المعسكرين على تأمين الأكثرية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعداً من أصل 120، في ظل صعود عربي غير مسبوق ورفض أحزاب إسرائيلية التعاون مع ممثلي المواطنين العرب. وبحسب التوزيع الذي نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن لجنة الانتخابات المركزية عند الساعة 15:07، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، بانخفاض مقعد عن التحديث السابق، فيما بلغ رصيد معسكر آيزنكوت 48 مقعداً، وارتفعت حصة الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً. وعلى مستوى الأحزاب، يتصدر الليكود بزعامة نتنياهو النتائج مع 26 مقعداً، يليه حزب "يشار" بقيادة آيزنكوت مع 21 مقعداً، فيما تحصل القائمة العربية المشتركة على 12 مقعداً، وحزب "معاً" بقيادة نفتالي بينيت على 12 مقعداً أيضاً. ويحصل حزب الديمقراطيين على 8 مقاعد، بينما تنال أحزاب إسرائيل بيتنا، وشاس، ويهدوت هتوراه، والقوة اليهودية، والقائمة العربية الموحدة "راعم"، 7 مقاعد لكل منها، مقابل 6 مقاعد للصهيونية الدينية وحلفائها. ويعني هذا التوزيع أن نتنياهو يحتاج إلى 8 مقاعد إضافية للوصول إلى الأكثرية، في حين يحتاج معسكر آيزنكوت إلى 13 مقعداً. أما إذا أُضيفت المقاعد العربية الـ19 إلى معسكر آيزنكوت، فإن مجموع القوى المناوئة لنتنياهو يرتفع حسابياً إلى 67 مقعداً، وهي أكثرية كافية نظرياً لإقصائه عن الحكم، لكنها لا تعني بالضرورة إمكان تشكيل حكومة موحدة بسبب الخلافات السياسية العميقة بين هذه القوى. ولا تزال النتائج غير نهائية، إذ أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن عدد الأصوات المدلى بها عبر ما يُعرف بـ"المظاريف المزدوجة" يتراوح، وفق تقديرها الأحدث، بين 430 ألفاً و480 ألف صوت، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى نحو 600 ألف. وتشمل هذه الأصوات العسكريين وعناصر الشرطة والدبلوماسيين والسجناء وفئات أخرى تصوّت خارج مراكز اقتراعها المعتادة. ومن المتوقع استكمال فرز هذه الأصوات خلال الأيام المقبلة، على أن تُنشر النتائج الرسمية النهائية في 4 تشرين الثاني. وتكتسب هذه الكتلة أهمية خاصة لأنها قد تؤدي إلى إعادة توزيع عدد من المقاعد، ولا سيما في ظل التقارب بين الأحزاب. وتاريخياً، لم تكن أصوات هذه الفئات تميل بالقدر نفسه إلى الأحزاب العربية والأحزاب الدينية المتشددة، لكن اتساع مشاركة جنود الاحتياط من خلفيات سياسية مختلفة يجعل التنبؤ بنتائجها أكثر صعوبة هذه المرة. وفي تطور سياسي لافت، انتقل حزب الليكود من مواجهة نتائج الاقتراع إلى التشكيك بنزاهتها، متهماً الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات عبر عمليات تزوير وترهيب وشراء أصوات واستخدام وسائل غير قانونية لحشد الناخبين. وطالب الحزب، في بيان صدر مساء الأربعاء، الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام "الشاباك" ولجنة الانتخابات المركزية بفتح تحقيق شامل، مدعياً امتلاكه شهادات وأدلة على مخالفات واسعة. غير أن هذه الاتهامات لا تشكل إثباتاً لوقوع عمليات تزوير، خصوصاً أن مسؤولاً في لجنة الانتخابات كان قد رفض، في تصريح للقناة 12، مزاعم التزوير المتداولة. ويعكس هذا التصعيد حساسية النتائج بالنسبة إلى نتنياهو، إذ إن صعود الأحزاب العربية لا يحرم معسكره من الأكثرية فحسب، بل يمنح خصومه فرصة حسابية لإعادة رسم التوازنات داخل الكنيست. وتتمثل المفارقة الأساسية في أن الأحزاب العربية أصبحت رقماً لا يمكن تجاوزه في حسابات الحكم، فيما لا تزال أحزاب إسرائيلية معارضة لنتنياهو ترفض تشكيل ائتلاف يعتمد عليها. فمعسكر آيزنكوت لا يستطيع بلوغ عتبة 61 مقعداً من دون تفاهم سياسي مع أطراف خارج كتلته الحالية، وفي مقدمتها الأحزاب العربية، ما يفتح الباب أمام ثلاثة احتمالات رئيسية: تشكيل حكومة بدعم عربي من خارج الائتلاف، أو إعادة ترتيب التحالفات وصولاً إلى حكومة وحدة، أو فشل المفاوضات والعودة مجدداً إلى صناديق الاقتراع. وتزداد صعوبة المشهد مع رفض إيتمار بن غفير تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، بينما دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ القوى السياسية إلى التحلي بالمرونة والانفتاح لتجنب انتخابات جديدة. أما بالنسبة إلى لبنان، فلا تكمن أهمية الانتخابات في التغيير العددي للمقاعد وحده، بل في هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة وطبيعة التحالفات التي ستحدد سياستها تجاه الحدود الشمالية وحزب الله وإيران. فالنتائج الحالية تضعف قدرة نتنياهو على الادعاء بأنه حصل على تفويض شعبي