ترى الصحافية دانا فايس أن انتخابات الكنيست الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة بين بنيامين نتنياهو وخصومه، بل استفتاءً على المسار الذي سلكته حكومة "اليمين الكامل"، وأن الاختبار الذي يواجه "معسكر التغيير" بعد ظهور النتائج لا يقل مصيرية عن الانتخابات نفسها، خصوصًا في ظل السؤال حول ما إذا كانت أحزاب المعسكر مستعدة للاعتراف بالأصوات العربية جزءًا كاملًا من معادلة الحكم، والمضي نحو تشكيل حكومة تستند إلى أغلبية يهودية-عربية. وبحسب تحليل لفايس نشرته "القناة 12" الإسرائيلية، فإن نقطة البداية هي أن الانتخابات شكّلت استفتاءً على نهج حكومة نتنياهو، وإذا جرى التعامل مع النتائج وفق قواعد دولة ديمقراطية يُحتسب فيها كل صوت، فإن النتيجة، برأيها، واضحة: هناك أغلبية مطلقة قالت "لا" لحكومة اليمين الكاملة بقيادة نتنياهو. وترى فايس أن الناخبين العرب كانوا العنصر الأكثر بروزًا في هذا التصويت، أو المفاجأة الأساسية في الانتخابات، معتبرة أن ذلك يمثل نتيجة مباشرة للسياسة التي انتهجها إيتمار بن غفير والاتجاه الذي دفع إسرائيل نحوه. وتضيف أن المشكلة تبدأ عند قواعد اللعبة التي ترسخت في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، حيث بات هناك، وفق توصيفها، "صوت يقرر وصوت آخر من درجة أدنى"، فيما أصبح شرط الدخول إلى دائرة الأصوات المؤثرة هو أن يكون الناخب يهوديًا. وبحسب التحليل، لا تهم مواقف الناخب اليهودي، إذ يحصل على الحق في المشاركة في قيادة الدولة، بينما يُطلب من غير اليهود إثبات "الولاء" وفق معيار تحدده الأغلبية اليهودية قبل أن يُسمح لهم بالانخراط الكامل في صنع القرار. وتشير فايس إلى أن المفارقة تكمن في أن أفيغدور ليبرمان كان من أبرز من دفعوا بهذا المنطق سابقًا، عندما رفع في انتخابات 2009 شعار "لا مواطنة من دون ولاء"، معتبرة أن هذا النقاش يعود اليوم بقوة في 2026. وترى أن التغيير يبدو ممكنًا فقط عندما تستند الأصوات الداعمة له إلى ناخبين يهود، أو إلى غير يهود اجتازوا ما تصفه بـ"اختبار الولاء". وفي هذا السياق، تستشهد بما جرى مع يوسف حداد، الذي بدا أنه قُبل داخل المعسكر القومي بسبب خدمته في لواء "غولاني" وإعلانه تبني الصهيونية، لكن ذلك لم يكن كافيًا، إذ تعرض رئيس حزبه عوفر فينتر طوال الحملة الانتخابية لانتقادات من الجناح الديني في اليمين، بحجة أنه لا ينبغي التصويت لحداد لأنه غير يهودي. وتعتبر فايس أن إسرائيل تقف اليوم عند مفترق طرق، وأن هذا ليس أمرًا عرضيًا. وتشير إلى أن نتنياهو أدرك منذ وقت طويل أن الطريق للحفاظ على أغلبية مطلقة في السلطة تمر عبر الفصل بين الجمهور اليهودي العلماني-الليبرالي وبين الشركاء المحتملين داخل الجمهور العربي، الذين يريدون بدورهم، بحسب التحليل، حياة ديمقراطية. وتقول إن القوى اليهودية الصهيونية داخل "معسكر التغيير" انطلقت خلال السنوات الماضية من افتراض أن السبيل الوحيد إلى التغيير هو إقناع اليهود بالثقة بها، والتأكيد أنها "يهودية بما يكفي" و"وفية بما يكفي"، بدل التوجه منذ البداية إلى الجمهور العربي الذي يجمعها معه قاسم مشترك يتعلق بالحياة المدنية، وإن كان ذلك داخل دولة ذات هوية يهودية. وبحسب فايس، فقد أدار قادة هذا المعسكر ظهورهم لهذا الاحتمال، وانشغلوا بالصراع في ما بينهم، نتيجة تأثير الحملة السياسية التي قادها نتنياهو. وترى أن دليلًا واضحًا على ذلك ظهر يوم الانتخابات، عندما جال نفتالي بينيت بمكبر للصوت في شارع روتشيلد، فيما اضطر يائير غولان إلى منافسته على الأصوات نفسها، بدل مد اليد نحو شراكة يهودية-عربية قادرة على إدخال مقاعد عربية إضافية ضمن أحزاب قد تكون، وفق تعبيرها، "أسهل تقبلًا". وتضيف أن بينيت لم يدرك أيضًا، برأيها، أنه لا يستطيع في الوقت نفسه التحالف مع يائير غولان ويائير لابيد، ثم توقع اجتذاب أصوات من معسكر اليمين. وتفسر ذلك بأن اليمين يرى في المعسكر الآخر تهديدًا للتصور الجديد للحكم الذي رسخه نتنياهو، والمتمثل، وفق وصفها، في "دولة تمنح الديمقراطية لليهود لا لبقية المواطنين". وتعتبر فايس أن هذا هو المسار الذي أوصل إسرائيل إلى المأزق الحالي. وتشير إلى أن الخيار الأكثر راحة ظاهريًا يتمثل في تشكيل نوع من حكومة الوحدة القادرة على تجاوز الانسداد السياسي، إلا أن هذا السيناريو لا يبدو مطروحًا حاليًا بسبب انعدام الثقة بنتنياهو، وكذلك بسبب الصراع بين المعسكرين على الهوية الفعلية للدولة. وتضع فايس أمام إسرائيل خيارين شديدي الصعوبة: الأول التوجه إلى انتخابات جديدة، رغم أن الجمهور عبّر بوضوح عن عدم رغبته في ذلك، والثاني أن يرفع الجمهور الليبرالي يديه ويبدأ البحث عن طريق للخروج من البلاد، بعدما يقتنع بأنه لم يعد قادرًا على التأثير. وترى أن السيناريو الثاني قد يدفع المجتمع العربي، الذي مد يده وطلب الاندماج، إلى إدارة ظهره للدولة وتحقيق ما تصف