دفع لبنان على مدى عقود، ثمن اقتصاد استهلك أكثر مما أنتج، واستورد أكثر مما صدر، حتى تحول العجز التجاري من خلل في الأرقام إلى أحد أوجه الأزمة المالية التي أصابت البلاد. اليوم، تفرض الصناعة اللبنانية نفسها، لا بوصفها قطاعا يسعى إلى تحسين ظروف عمله، بل باعتبارها مدخلا إلزاميا لأي محاولة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر توازنا. وفي افتتاح النسخة الثانية من معرض الصناعة الوطنية، بدا التحدي واضحا في الكلمات التي أُلقيت. صناعيون حافظوا على مصانعهم رغم الحروب والأزمات، ودولة تقر بضرورة تصحيح المسار، والتزامات حكومية تستهدف تحفيز الإنتاج المحلي وتوسيع الصادرات وجذب الاستثمارات التكنولوجية. افتتح سلام، النسخة الثانية من معرض الصناعة الوطنية، الذي تنظمه جمعية الصناعيين اللبنانيين برئاسة سليم الزعني، بالتعاون مع وزارة الصناعة، في Seaside Arena في بيروت، ويستمر حتى 31 تشرين الأول الجاري. ويضم المعرض أكثر من 200 منتج صناعي، ويجمع أكثر من 1000 علامة تجارية محلية ودولية، على مساحة تبلغ 10 آلاف متر مربع، مع توقعات باستقبال أكثر من 10 آلاف مشتر وزائر مهني. ويغطي قطاعات متنوعة، من الصناعات الغذائية والأدوية ومستحضرات التجميل إلى المفروشات والنسيج والصناعات الميكانيكية والتكنولوجيا. أكد سلام أن استمرار الصناعيين في تشغيل مؤسساتهم والمحافظة على عمالهم، رغم الأزمات الاقتصادية والحربين المتتاليتين، يستحق أن تقابله الدولة بسياسات تحمي الإنتاج وتبني عليه. ورأى أن التجربة اللبنانية أثبتت أن الاقتصاد القائم على الاستهلاك والريع يبقى عرضة للصدمات، وأن النهوض المستدام يقتضي إعادة الاعتبار إلى القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة، ومعالجة الخلل البنيوي في الميزان التجاري الناجم عن الاعتماد المفرط على الاستيراد. ووضع مسؤولية النهوض في إطار شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، تؤمن فيها الدولة الاستقرار وبيئة تنافسية عادلة، فيما يتولى الصناعيون الاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل. وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، باعتبار الأمن شرطا للاستقرار، وأعلن العمل على تشديد الرقابة الجمركية وضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهريب والإغراق والمنافسة غير المشروعة.وتعهد بتفعيل الأفضلية للمنتجات اللبنانية في المشتريات العامة، ضمن القوانين والاتفاقيات النافذة، واعتماد حوافز استثمارية موجهة إلى الصناعات التي ترفع القيمة المضافة المحلية وتخلق فرص عمل. كما أعلن التوجه نحو تشجيع تصنيع السلع التي يستوردها لبنان بكميات كبيرة، متى توافرت القدرة على إنتاجها بجودة وكلفة تنافسيتين. واحتلت كلفة الطاقة حيزا أساسيا من مقاربة سلام، الذي اعتبر أن الصناعة لا تستطيع المنافسة إذا كانت كلفة الكهرباء أعلى من كلفة منافسيها، مؤكدا أن تأمين تغذية كهربائية أكثر انتظاما وبأسعار تنافسية يشكل أولوية، معربا عن أمله في الإعلان قريبا عن حلول مستدامة لأزمة الطاقة. وفي ملف التصدير، أشار إلى أن الصادرات الصناعية اللبنانية تقارب ثلاثة مليارات دولار سنويا، وتشكل مصدرا مهما للعملات الأجنبية. وأعلن العمل على توسيع الاتفاقيات التجارية الثنائية وفتح أسواق جديدة، وتعزيز دور البعثات الدبلوماسية في تسويق المنتجات اللبنانية واستقطاب الاستثمارات، إلى جانب دراسة حوافز للمؤسسات التي تزيد صادراتها أو تدخل أسواقا جديدة. كما طرح فرصة استقطاب شركات أوروبية وأميركية لنقل جزء من أنشطتها الصناعية والتكنولوجية إلى لبنان، مستفيدا من الكفاءات الهندسية والتكنولوجية المحلية، بما يتيح خلق وظائف نوعية والحد من هجرة أصحاب الاختصاص. وربط ذلك بتعزيز التعاون بين الجامعات والمصانع وتطوير التعليم والتدريب المهني، فضلا عن تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة لمواكبة المعايير البيئية الدولية، ولا سيما الأوروبية. وترجم سلام هذه التوجهات في 3 التزامات: إطلاق برنامج وطني لتحفيز الإنتاج المحلي وإحلال المنتجات اللبنانية التنافسية محل المستوردات؛ تشكيل آلية حكومية مشتركة لتعزيز الصادرات الصناعية من خلال الاتفاقيات والحوافز والدبلوماسية الاقتصادية، ووضع برنامج لجذب الاستثمارات في الصناعات التكنولوجية، يستهدف الشركات الأجنبية الراغبة في نقل جزء من أنشطتها إلى لبنان. ودعا الصناعيين إلى المشاركة في متابعة التنفيذ وتقييم النتائج. عيسى الخوري: معالجة الخلل التجاري شرط للتعافي من جهته، اعتبر وزير الصناعة جو عيسى الخوري أن الأزمة اللبنانية لا يمكن اختزالها في الانهيار المصرفي والمالي والنقدي، إذ تعود جذورها أيضا إلى نموذج اقتصادي فضل الاستهلاك والاستيراد على الإنتاج، ومَول الفجوة التجارية بالودائع والديون وتحويلات المغتربين. وأشار إلى أن العجز التجاري المزمن بلغ، على مدى أكث