وضع وزير الثقافة غسان سلامة ملف الذاكرة الوطنية وتعليم التاريخ في صلب النقاش حول مستقبل لبنان، معتبراً أن إحدى أبرز الثغرات في الثقافة اللبنانية تتمثل في غياب "مدرسة لبنانية للتاريخ"، ومؤكداً عزمه إطلاق ورشة لبناء سردية مشتركة عن الماضي تعزز الوحدة الوطنية وتساعد على منع تكرار المآسي. وجاء كلام سلامة خلال حفل إطلاق كتاب "50 الحرب" في المكتبة الوطنية، برعاية وزارة الثقافة وبدعوة من لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان ومؤسسة فريدريش إيبرت، في حضور رئيسة اللجنة وداد حلواني، ومدير المؤسسة ميرين عباس، وعدد من الفعاليات السياسية وممثلي الجمعيات المعنية. وقال سلامة إن وزارة الثقافة توقفت عند الذكرى الـ50 لاندلاع الحرب الأهلية انطلاقاً من مسؤوليتها في حفظ الذاكرة، رغم الانتقادات التي طاولت هذه الخطوة تحت عنوان "نبش القبور"، موضحاً أن الوزارة نظمت معرضاً ضم 50 صورة عن 50 سنة، إلى جانب سلسلة ندوات. وأضاف أن الوزارة اعتمدت المقاربة نفسها في الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت، حيث جرى جمع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء في المكتبة الوطنية "ليعترفوا علناً بمسؤولية الدولة، على الأقل في حماية أرواح الناس". وتوقف سلامة عند العلاقة بين النسيان والتذكر، معتبراً أن "النسيان حق" لمن عانى من الحرب والاعتداءات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه شدد في المقابل على أن "التذكر واجب"، ولا سيما على الدولة والمؤسسات العامة. وقال إن الهدف من التذكر ليس العودة إلى الماضي بحد ذاته، بل "التفكر" في ما قام به اللبنانيون بأنفسهم وما تعرضوا له من الخارج، بهدف تجنب تكرار الحرب الأهلية والغزوات والوصايات والأزمات الاقتصادية، مؤكداً أن "من لا يتذكر لا يتعلم". ورأى أن المآسي لا تتكرر بالضرورة مرة واحدة، بل قد تعود في كل مرة، مضيفاً أن اللبنانيين "يعيشون كل يوم ويدهم على قلبهم كي لا تتكرر الحرب الأهلية". وانتقل سلامة إلى الحديث عن تعليم التاريخ، فقال: "إن بحثتم لوجدتم أن هناك شيئاً ناقصاً في ثقافتنا، وهو أنه ليس هناك مدرسة لبنانية للتاريخ"، مشيراً إلى تجربته في التدريس والعمل في جامعات وبلدان عدة، حيث وجد مدارس فكرية وتاريخية لا يرى ما يشبهها في لبنان. وأضاف أن المشكلة تشمل الكتاب المدرسي وتعليم التاريخ والتعامل مع الذاكرة وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال سردية مشتركة، مؤكداً: "لن أغادر هذا المنصب قبل أن أبدأ بهذه الورشة، ورشة أن نعمل معاً لبناء سردية موحدة عن الماضي". من جهته، شكر مدير مؤسسة فريدريش إيبرت ميرين عباس وزير الثقافة على استضافة إطلاق الكتاب في المكتبة الوطنية، كما شكر وداد حلواني ولجنة الأهالي، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل في لبنان منذ عام 1966، وتعتبر معالجة الماضي شرطاً أساسياً لبناء سلام مستدام. وأكد عباس أن دعم المؤسسة للحملة والكتاب ينطلق من اعتبار الذاكرة مسؤولية مشتركة وحقاً للأجيال في معرفة تاريخها، وأن دعم حق العائلات في معرفة الحقيقة يشكل جزءاً من عمل المؤسسة في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان. بدورها، رحبت حلواني بالحضور، موضحة أن كتاب "50 الحرب" يضم 121 نصاً كُتبت بمناسبة مرور 50 عاماً على الحرب، ضمن حملة أطلقتها اللجنة في 13 نيسان 2025 بدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت. وأشارت إلى أن الكتاب كان من المقرر إطلاقه في نيسان 2026، إلا أن الحرب أخرت الموعد، فيما استمر نشر محتواه عبر الموقع الإلكتروني للجنة. وقالت حلواني إن تجربة اللجنة أثبتت أن "الألم يمكن أن يتحول إلى فعل"، وأن المطالبة بالحقيقة ليست نبشاً للماضي بل دفاعاً عن الكرامة، مذكّرة بأن نضال الأهالي أثمر إقرار القانون 105/2018 وإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين، إضافة إلى إعلان 13 نيسان يوماً وطنياً لهم بقرار مجلس الوزراء في 22 تشرين الأول 2026. ودعت إلى دعم الهيئة الوطنية وتمكينها من أداء مهامها، كما أعلنت إطلاق منصة "جدار الذاكرة" التفاعلية التي تتيح للبنانيين إضافة ذكرياتهم وشهاداتهم المرتبطة بالحرب. وختمت بالتأكيد أن "السلام لا يكتمل بالنسيان، والمصالحة لا تُبنى بالصمت"، وأن الحقيقة "حق لا يسقط بالتقادم". ويضم كتاب "50 الحرب" 121 نصاً لمساهمين من خلفيات متنوعة، بينهم رئيس مجلس النواب ونائبه، ووزراء ونواب وقضاة ومحامون وأدباء وأكاديميون وإعلاميون وفنانون ونقابيون وناشطون، ضمن مشروع يهدف إلى حفظ الذاكرة وتوثيق شهادات وتجارب مرتبطة بالحرب الأهلية اللبنانية.