وضع وزير المالية ياسين جابر بناء القدرات الدائمة داخل الوزارة في صلب التعاون التقني مع فرنسا، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على استقدام الخبراء، بل يتجه إلى نقل المعرفة والخبرة بصورة مستدامة، بالتوازي مع خطوات لإصلاح إدارة المالية العامة وتعزيز شفافية الموازنة والرقابة على الإيرادات والنفقات. وقال جابر إن التعاون مع الشركاء الفرنسيين يهدف خصوصاً إلى تطوير قدرات وحدة السياسات المالية الكلية "Macro-fiscal" ووحدة إدارة النقد، من خلال التدريب العملي ونقل الخبرات إلى موظفي الوزارة. وشدد على أن العلاقة بين لبنان وفرنسا "كانت دائماً مميزة"، وأن باريس وقفت إلى جانب لبنان بوصفها داعماً أساسياً على المستويات المالية والسياسية والدبلوماسية، مؤكداً أهمية استمرار التعاون لدعم مسار الإصلاح المالي وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام. وجاء كلام جابر خلال استقباله المدير الإقليمي للوكالة الفرنسية للخبرة التقنية "Expertise France" إدوار مونييه والمحامي ميشال خديج، في حضور المدير العام للمالية جورج معراوي ومستشارة الوزير كلودين كركي، عقب الاجتماع الأول للجنة التوجيهية لمشروع FEXTE "الشفافية في الموازنة"، المموّل من الوكالة الفرنسية للتنمية "AFD" والمنفذ بواسطة "Expertise France". وخلال اللقاء، جرى عرض مسار التعاون التقني القائم، فيما أشاد الجانبان بالدينامية التي سادت اجتماع اللجنة التوجيهية. وفي ضوء الأولويات التي طرحها جابر لتطوير قدرات موظفي الوزارة، تعهّد فريق "Expertise France" بنقل طلب الوزارة إلى الوكالة الفرنسية للتنمية، والعمل على تنسيق برامج تدريبية إضافية وزيارات تبادل إلى فرنسا للاطلاع على أفضل الممارسات. كما تناول البحث الوضع القانوني لـ"Expertise France" في لبنان بعد انضمامها إلى مجموعة الوكالة الفرنسية للتنمية عام 2021، إضافة إلى الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالمشاريع التي تنفذها، مع تأكيد استمرار التعاون لدعم الإصلاح المالي وتعزيز شفافية إدارة المال العام. وكانت وزارة المالية قد عقدت الاجتماع الأول للجنة التوجيهية للمشروع برئاسة معراوي، وافتُتح بكلمات لنائب رئيس المصلحة الاقتصادية الإقليمية في السفارة الفرنسية فنسان ديدري، ونائبة مديرة الوكالة الفرنسية للتنمية في لبنان ماري نونا، ومعراوي. وشدد المشاركون على أن تعزيز الشفافية في الموازنة يمثل أولوية استراتيجية للبنان، ولا سيما في ضوء متطلبات صندوق النقد الدولي، وعلى ضرورة التنسيق بين الجهات المانحة والشركاء لتفادي الازدواجية وتعظيم أثر الدعم. واستعرضت اللجنة الحصيلة السنوية للمشروع، وفي مقدمها مأسسة إنتاج إحصاءات المالية العامة، بعدما أُنجزت مرحلة تشخيص شملت أكثر من 25 مقابلة في أكثر من 8 مديريات، إضافة إلى مراجعة أكثر من 25 نظاماً وتطبيقاً، تمهيداً لاستعادة النشر المنتظم لتقرير "مراقب المالية العامة" (Public Finance Monitor). وفي هذا السياق، قدّم الخبيران نيكولا بوتون ووسيم بكاري مقترحاً لحل تقني انتقالي لتجميع البيانات وإطاراً لحوكمتها، ريثما يُستكمل نظام إدارة المعلومات المالية المتكامل "IFMIS". وشملت الحصيلة أيضاً العمل على استعادة البيانات الضريبية، عبر معالجة نحو 200 ألف إيصال دفع غير إلكتروني متراكم من عام 2025، على أن تنتهي المعالجة في نهاية تشرين الثاني 2026، إضافة إلى توحيد بيانات المؤسسات العامة الواقعة خارج الموازنة، بما يسمح بتكوين صورة أشمل عن حجم القطاع العام وإدراج المخاطر المالية ضمن إعداد الموازنة. وأقرت اللجنة توسيع نطاق متابعة تنفيذ الموازنة ليشمل النفقات والإيرادات معاً، وإنشاء هذه الوظيفة على مستوى مكتب المدير العام وربطها بالإطار المالي المتوسط الأجل، على أن يمتد التنفيذ من تشرين الثاني 2026 حتى آب 2027. كما أقرت دمج نشاط تعزيز قدرات التحليل القطاعي ضمن هذا المسار بوصفه مكوناً للتحليل الاقتصادي، تفادياً للتداخل مع برنامج "SIGMA"، ومواصلة النقاش مع الشركاء بشأن إنشاء آلية مشتركة بين الوزارات لمتابعة تنفيذ نفقات الاستثمار. وفي موازاة ذلك، اقترحت مديرة الخزينة رنا كرم تحديث نظام التحصيل الإلكتروني لجميع الإيرادات العامة، بما يسمح بتحسين تتبع الأموال المحصلة عبر مختلف وسائل الدفع والوزارات، واعتماد آلية للمطابقة بين المعاملات والكشوفات المصرفية والقيود المحاسبية. كما دعت إلى تعزيز الرقابة الداخلية المحاسبية للحد من الأخطاء والخسائر المالية، تمهيداً لتحديث النظام المحاسبي واعتماد المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام "IPSAS". من جهته، اقترح مدير المحاسبة العامة عبد الحفيظ سوبرا تسريع إقفال الحسابات وإنجاز قطع الحساب سنوياً بمزيد من الشفافية والسرعة، وتعزيز صدقية الحسابات العامة بما يلبّي متطلبات ديوان المحاسبة ومجلس النواب، إلى جانب تسوية السلفات المم