لم تتعامل طهران مع الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أمس الثلاثاء، 27 تشرين الأول، باعتبارها شأنًا داخليًا إسرائيليًا فقط، بل رأت فيها تطورًا قد ينعكس على مستقبل المواجهة معها، واتجاهات السياسة الإسرائيلية، وفرص المفاوضات القائمة أو المحتملة مع الولايات المتحدة. ورغم تأكيد السلطات الإيرانية رسميًا أن تغيير الحكومة في إسرائيل لن يبدل طبيعة تعاملها مع تهديدات تل أبيب، أظهرت وسائل الإعلام الإيرانية اهتمامًا لافتًا بمصير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واحتمالات تشكيل الحكومة المقبلة، وانعكاسات ذلك على فرص التصعيد أو التهدئة. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن نتائج الانتخابات لن تؤثر في موقف طهران، مشددًا على أن بلاده تتابع التطورات عن كثب، وأن قواتها المسلحة مستعدة للدفاع عن البلاد. وعكس هذا الخطاب حرص القيادة الإيرانية على إظهار أن سياساتها الأمنية لا ترتبط بشخص رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل تستند إلى تقديرها لطبيعة التهديدات القائمة. وسارت وسائل إعلام إيرانية في الاتجاه نفسه، إذ رأت صحيفة "فرهيختغان"، في مادة نشرتها بعنوان "القاتل والقاتل أكثر"، أن الفوارق بين المتنافسين تظل محدودة في ما يتعلق بالقضايا الأمنية، مركزة على تعقيدات تشكيل الحكومة واحتمال عدم حصول أي معسكر على أغلبية واضحة، إلى جانب الدور المحتمل للأحزاب العربية في المفاوضات الائتلافية. أما وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري، فربطت نتائج الانتخابات بتقييم الناخب لأداء نتنياهو خلال الحروب الأخيرة، واعتبرت الانتخابات اختبارًا لقيادته أكثر من كونها مواجهة بين رؤيتين مختلفتين تجاه إيران. وسلطت وسائل إعلام أخرى الضوء على الضغوط السياسية التي يواجهها نتنياهو والخلافات المنسوبة إليه مع قيادات عسكرية بشأن إدارة المواجهات واحتمالات اللجوء إلى خيارات عسكرية جديدة. وفي الصحف المحافظة، مثل "وطن امروز" و"كيهان"، برزت صورة نتنياهو المحاصر سياسيًا، مع التشكيك في أن يؤدي خروجه المحتمل من السلطة إلى تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه إيران، لتلتقي هذه القراءات عند أن تبدل الأشخاص لا يعني بالضرورة تبدل الاستراتيجية الإسرائيلية. وبالتزامن، أظهرت النتائج الأولية واستطلاعات الخروج تقاربًا بين معسكر نتنياهو ومعسكر غادي آيزنكوت، من دون حسم الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا في الكنيست، لتشكيل الحكومة، ما قد يبقي المفاوضات الائتلافية مفتوحة وسط ترقب لدور الأحزاب العربية في ترجيح الكفة. وفي الوقت نفسه، رجحت بعض التقديرات أن يواصل نتنياهو تصريف الأعمال الحكومية حتى اتضاح المشهد السياسي، فيما رأت طهران أن هذا المأزق قد يؤخر بعض القرارات السياسية المهمة داخل إسرائيل، لكنه لا يعني تراجع احتمالات المواجهة العسكرية. فالحكومة الانتقالية في إسرائيل تحتفظ بصلاحيات أمنية واسعة، كما أن الملف الإيراني قد يبقى أداة يستخدمها نتنياهو لتعزيز موقعه السياسي وإظهار قدرته على إدارة التحديات الأمنية. وفي المقابل، لا تنظر إيران إلى صعود شخصيات معارضة مثل آيزنكوت باعتباره مؤشرًا على تحول جذري في الموقف الإسرائيلي منها، إذ ترى أن الخلافات داخل الساحة السياسية الإسرائيلية غالبًا ما تتعلق بتوقيت العمل العسكري وكلفته وعلاقته بالأولويات الأميركية أكثر من تعلقها بطبيعة التهديد الإيراني نفسه. وفي ما يتعلق بمسار التفاوض، فإذا نجح نتنياهو في البقاء في السلطة، فقد تتوقع إيران استمرار الضغوط الإسرائيلية على واشنطن لتبني سياسات أكثر تشددًا تجاهها. وفي هذه الحالة، قد تنظر طهران إلى المفاوضات مع واشنطن كوسيلة لتقليل خطر المواجهة العسكرية أو احتواء الضغوط المتزايدة، مع بقائها حذرة في تقدير نوايا واشنطن وما إذا كانت تسعى إلى تسوية فعلية أم إلى زيادة الضغط عليها. أما إذا خسر نتنياهو السلطة، فقد تعتبر طهران ذلك تراجعًا لأحد أبرز الداعين إلى تشديد الضغوط عليها، ما قد يمنحها شعورًا بتحسن موقعها التفاوضي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيرًا في موازين القوى أو في السياسات الإسرائيلية والأميركية تجاهها. ويبقى احتمال ثالث يتمثل في استمرار حالة الجمود السياسي داخل إسرائيل لفترة أطول، وهو ما قد يمنح إيران فرصة لاختبار إمكانات التوصل إلى تفاهمات محدودة مع واشنطن أو فتح قنوات تفاوض إضافية، من دون أن يعني ذلك اختفاء خطر التصعيد. ولا تنفصل حسابات طهران عن التطورات السياسية في الولايات المتحدة، إذ تتابع أيضًا الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني وما قد تفرزه من تداعيات على سياسات إدارة دونالد ترامب تجاه إيران. وتأخذ الحكومة الإيرانية في الحسبان تأثير نتائج هذه الانتخابات على مستوى الضغط الأميركي وفرص استئناف أو تطوير المسار التفاوضي. كما تعتقد طهران أن نتائج الانتخابا