عن السرقة في لبنان… ماذا وراء العنف المتزايد؟ الانفلات الأمني الذي نشهده هو في الحقيقة انعكاسٌ مباشر لاتساع الفجوة الطبقية من جهة، وعجز الدولة عن تنفيذ قراراتها بحصر السلاح من جهة أخرى. تتفاقم ظاهرة السرقات المسلّحة في مختلف أنحاء لبنان بشكلٍ يدعو إلى القلق الشديد، بخاصة في العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، حتى بات الحديث عن عمليات السرقة يومياً بحسب التقارير الأمنية المنشورة. واللافت أن عدداً متزايداً من جرائم السلب بالإكراه يُنفَّذ على يد عصابات منظمة تتخذ مواقع لها في أماكن ضيّقة، أو “نقاط اختناق” (chokepoints) مثل الأنفاق، حيث يجد الهدف نفسه عالقاً ولا يملك خيار المناورة، أو في أماكن مفتوحة وطرقات سريعة غير مكتظّة بالسكان ولا مدجّجة بكاميرات المراقبة، حيث يستطيع الجناة إطلاق النار والهرب بسهولة. الأخطر من ذلك كله هو ارتفاع نسبة جرائم القتل المترافقة مع السرقة. ففي اللحظات التي بدأتُ فيها بكتابة هذا المقال، ليل السبت في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وقعت حادثة سرقة لدراجة Yamaha NMax على طريق سليم سلام في بيروت، وقد أصيب صاحب الدراجة بطلقة نارية في خاصرته. وكان نفق سليم سلام تحديداً قد شهد عدداً من عمليات السرقة، إذ اشتكى مواطنون من تعرّضهم، خلال الأسبوع المنصرم، لمحاولات سرقة داخله، عبر اعتراض سياراتهم والاعتداء عليهم. وقد أوقف في اليوم نفسه 11 متورطاً من جنسيات مختلفة بعد ثبوت ارتباطهم بعصابة منظمة تمتد بين جنوب لبنان وبيروت وصيدا. ما يضاعف نسبة الخطر، ويُعتَبر مؤشراً حقيقياً إلى انفلاتٍ أمني واسع كنتيجة مباشرة لتدهور الوضع المعيشي، هو أن جرائم القتل بدافع السرقة بدأت تطاول الأشخاص العاديين من فقراء ومتوسطي الحال، بما في ذلك العمال الأجانب، إلى درجة أن إطلاق النار على شابٍّ وقتله للاستيلاء على دراجته النارية التي لا تتجاوز قيمتها بضع مئات من الدولارات أصبحا أمراً اعتيادياً، وأصبح هذا العنف جزءاً من يومياتنا. وفي بعض الأحيان، يتعرّض السارق نفسه إلى إطلاق النار، كما حدث منذ بضعة أيام، يوم الاثنين في 19 تشرين الأول/ أكتوبر عند نفق الطيونة، حيث نُفذت محاولة سرقة مسلّحة تخللها إطلاق نار بين السارق وضحيته، انتهت بمقتل السارق بطلق ناري. وتذكِّر هذه الحادثة بمقتل أحد السارقين في شارع كاراكاس في بيروت، في آذار/ مارس الماضي، أثناء محاولته مع زميله سرقة دراجة نارية من أمام أحد المنازل، وقد تبيّن أنه كان مطلوباً بمذكرات توقيف. وقد أوقفت القوى الأمنية مطلِق النار، ليقرّر القضاء لاحقاً إخلاء سبيله بسند إقامة. وفي اليوم التالي، الثلاثاء في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، شهدت منطقة المعمورة في الضاحية الجنوبية لبيروت مواجهة مسلّحة بين لصوص حاولوا سرقة دراجة نارية، وبين صاحب الدراجة محمد عبدالله ترمس، انتهت بإطلاق النار عليه ومقتله بعدما حاول الدفاع عن ممتلكاته. وفي اليوم نفسه، شهد نفق شاتيلا-طريق المطار حادثة أخرى، من غير المؤكَّد ما إذا كانت محاولة سلب أم مجرّد حادث سير، إذ لا يزال التحقيق مفتوحاً ولم يكتمل بعد، وقع ضحيتها الشاب الأربعيني رشاد أحمد وهبي، الذي تعرّض لإصابة خطرة في الرأس (كسرٌ في الجمجمة)، فيما تتزايد شكاوى المواطنين من تعرّضهم لعمليات السلب في هذا النفق، بخاصة في ساعات الليل المتأخّرة، حيث تغيب الإنارة وكاميرات المراقبة ودوريّات الشرطة ويسهل على السارقين تنفيذ عملياتهم. بعد ذلك بيومٍ واحد فقط، يوم الأربعاء في 21 تشرين الأول/ أكتوبر، وقعت جريمة قتل أخرى بدافع السرقة عند مفرق الجية، كان ضحيتها شاب سوري يبلغ من العمر 17 عاماً، وهو وحيدٌ لأهله، إذ تعرّض لإطلاق نار في ظهره من مسلحين اثنين حاولا سلبه دراجته النارية أثناء عودته من العمل. وفي اليوم التالي، الخميس في 22 تشرين الأول/ أكتوبر، عُثِر على الشاب السوري بشار العيد المحيمد الحمود الركاض البالغ من العمر 19 عاماً مقتولاً على يد عصابة سرقة في مدينة صيدا، بعدما استولت العصابة على دراجته النارية وهاتفه ومبلغ نقدي كان في حوزته، وفق شهادة ابن خالته. وفي اليوم التالي، الجمعة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، أوقفت القوى الأمنية عند حاجز ضهر البيدر شخصين متورطين في عملية خطف في منطقة المعاملتين، نفذاها بتكليف من شخص على خلفية خلافات مادية بينه وبين المخطوف، حاولا عبرها الاستيلاء على مال ظنّوه بحوزته. واللافت أن المضبوطات مع الموقوفين (3 مسدسات حربية وسترات بشعار مؤسسة أمنية وقناع وقفّازات وخرائط متعدّدة وأدوات حفريات وتزويرات ذهبية) تكشف عمل عصابة منظمة. لا بدّ أن رابطاً موضوعياً قد نشأ بين عمليات سرقة الأنفاق وعمليات السرقة داخل الأنفاق. فلا يمكن للأنفاق أن تتحوّل إلى بيئات خصبة لعمليات سرقة متكرّرة، من الأفراد أو المجموعات أنفسهم، إذا كانت مجهّزة بالإنارة المناسبة وكاميرات المراقبة. و