قبل أيّام، جلستُ في قاعةٍ ببيروت أدير جلسةً ضمن مؤتمر GIRAF 2026، موضوعها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في مواجهة الفساد. جلس إلى جانبي أربعة لبنانيّين، لكلٍّ منهم ميدانه: محمد نجم، مدير «سمكس»، في الحقوق الرقميّة، وإيهاب حلّاب، مدير «سمارت غوف»، في السياسات العامّة، وأسعد ذبيان، مدير مبادرة «غربال» المتخصصة بالشفافيّة وحق الوصول إلى المعلومات، والمهندسة هانية زعتري، خبيرة في التكنولوجيا المدنية، وترأس دائرة الترخيص والمراقبة في مصلحة الصناعة الإقليمية في الجنوب. لم يأتِ أحدٌ منهم بمشروعٍ حكوميّ جاهز. جاؤوا بما صنعته أيديهم: أدواتٍ بنوها من وقتهم وجيوبهم، وقواعد أخلاقيّة كتبوها لأنفسهم، لأنّ أحدًا لم يكتبها لهم. خذوا هانية الزعتري مثلًا. في الأسبوع الأوّل من الحرب، بنت روبوتًا على واتساب ينظّم طلبات العائلات النازحة. كان بمقدورها أن تطلب مواقعهم فيسهل التوزيع. لم تفعل. فالحرب كانت "حربًا أمنيّةً بامتياز"، وكانت تخشى أن تُستغَلّ أيّ معلومةٍ زائدة ضدّ أصحابها. ومع اندلاع الحرب الأخيرة في الثاني من آذار، لم يحتمل أسعد ذبيان الجلوس بلا عمل، فراح يتعلّم ليعرف ما هو الـ"برومبت"، وما هو الـ"وكيل". وخلال ستّة أشهر، أخرجت "غربال" الجريدة الرسميّة، وعمرها 105 أعوام، من خلف جدار الاشتراك، وباتت تستعدّ مع الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد لإطلاق لوحةٍ بأسماء كلّ المصرّحين عن ذممهم الماليّة. قراراتٌ أخلاقيّة اتّخذها أفرادٌ وحدهم، في بلدٍ يحمي بيانات ناسه بقانونٍ صدر عام 2018، وكُتبت مسوّدته قبل أن يولد واتساب. في المقابل، كانت الدولة منشغلةً بأمرٍ آخر. أقرّ مجلس الوزراء في أيلول 2025 إنشاء وزارةٍ للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فظلّ المشروع عالقًا في دهاليز التشريع حتّى الصيف الماضي. ثمّ وقّع لبنان في آب قرضًا بـ150 مليون دولار من البنك الدوليّ للتحوّل الرقميّ. هكذا نركض: وزارةٌ هنا، وقرضٌ هناك، ولا أحد يطرق باب مَن بنوا الأدوات فعلًا ليسند شركاتهم ومبادراتهم. ما حملتُه معي من تلك الساعة في المؤتمر أنّ الأداة، مهما كانت ذكية لا تُحاسب أحدًا. بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يفرز 45 ألف تصريحٍ عن الذمّة الماليّة في ساعات. لكن مَن سيقرأ النتائج؟ الهيئة التي تلقّت تلك التصاريح تعمل، كما قيل على المنصّة، بثلاثة موظّفين، وصندوق النقد الدوليّ وصفها قبل عامٍ بأنّها "لم تصبح عاملةً بالكامل بعد". خوارزميّةٌ تكشف الخلل ولا تجد مَن يلاحقه، أشبه بجرس إنذارٍ يرنّ في بيتٍ مهجور. ثمّ كيف نبني طبقةً ذكيّة فوق إدارةٍ تنقطع عنها الكهرباء، ويتعثّر فيها الإنترنت، ولا تملك مراكز بياناتها؟ لكن ماذا عن بياناتنا؟ إنّها تسافر. فمعظم ما نسمّيه ذكاءً اصطناعيًّا هنا يعمل على خوادم شركاتٍ أجنبيّة، ونحن نسلّمها ما لم نجرؤ بعد على تنظيمه بقانون. وحتّى اقتراح قانون حماية الحياة الخاصّة، الذي وصل إلى مجلس الوزراء في أيّار، يكتفي بالعقوبات، ولا يذكر، وفق ما نُشر عنه، هيئةً مستقلّة تراقب. لا يثق اللبنانيّون بدولتهم، ولا يُلامون. تتعاقب الحكومات، فترث كلٌّ منها عن سابقتها الفساد والغموض كما تُورَث الديون، وتسلّم التي تليها ملفّاتٍ مفتوحة وأسئلةً معلّقة. في آذار الماضي، مدّد البرلمان لنفسه عامين، فسحب من أيدي الناس أوّل ما يحاسبون به: صندوق الاقتراع. وفي آب، أقرّ قانونًا للإعلام يعاقب بالسجن حتّى ثلاث سنوات على نشر "أخبار كاذبة ومضرّة". فبأيّ منطقٍ نطلب من مواطنٍ أن يثق بمنصّةٍ رقميّة تبنيها دولةٌ لا تثق هي بصحافيّيها؟ هنا تحديدًا تكمن المفارقة. فالثقة التي أضاعتها الدولة وجدت لنفسها طريقاً في "بيوت أصغر" تتمثل في تلك المبادرات. قد يطمئنّ المواطن إلى روبوتٍ بنته مهندسةٌ من صيدا أكثر ممّا يطمئنّون إلى موقعٍ وزاريّ، وإلى مبادرةٍ مدنيّة أكثر من أي هيئةٍ رسميّة. وفوق ذلك كلّه سقفٌ أقدم من أيّ أداة. اتّفاق الطائف، كما كُرّس في الدستور، ألغى الطائفيّة في الوظيفة العامّة على الورق، وأبقى وظائف الفئة الأولى مناصفةً بين المسيحيّين والمسلمين. أمّا في الممارسة، فقد صار التوزيع الطائفيّ عُرفًا ينزل إلى أصغر التعيينات: تسبق الطائفةُ الشهادةَ، ويسبق الولاءُ الخبرةَ، ويسبق الزعيمُ المؤسّسةَ. فكيف لشابّةٍ بنت أداةً تخدم النازحين أن تجد مكانها في نظامٍ يقيس الناس بانتمائهم قبل أن يسأل عمّا يعرفون؟ خرجتُ من القاعة وفي رأسي سؤالٌ لا يفارقني: ماذا لو أنفقت الدولة على هؤلاء الأربعة، وعلى مئاتٍ يشبهونهم، جزءًا ممّا تقترضه باسم التحوّل الرقميّ؟ لا يحتاج لبنان إلى وزارةٍ أخرى بقدر ما يحتاج إلى دولةٍ تُصغي إلى مَن سبقوها، فتفتح لهم بياناتها، وهي أصلًا ملكٌ للناس، وتحميهم بدل أن تلاحقهم بقانون إعلام. أمّا نحن، صحافيّين ومواطنين، فواجبنا أبسط وأصعب: أن نطلب الوثيقة لا الجواب، وأن نسأل مَن وقّع، لا ما ح