تتّسع الأشياء الصغيرة لتصير أبواباً إلى أسئلة أكبر في المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر والإعلامي اللبناني جوزيف عيساوي بعنوان "اللقمة الأخيرة إذبح زجاجة نبيذ"، الجسد والرغبة، الحب والموت، الإيمان والتمرّد، وما يتبقّى للإنسان حين تضيق المسافة بين الحياة والفناء. في المجموعة الصادرة تواً عن مرفأ للثقافة والنشر، يكتب عيساوي من منطقة يصرُّ فيها على تغميس التجربة الحسيّة مع القلق الوجودي. الخبز، والنبيذ، والمرأة، والبيت، والأشجار، والسماء، مكوّنات عالم شعري تتجاور فيه الحياة اليومية مع الأسئلة الكبرى. ويصبحُ معه الجسد طريقاً إلى التفكير في العالم. تدخلُنا العناوين الفرعيّة للفصول، إلى نبرة شعرية لا تستقرّ طويلاً في صورة واحدة. هناك ميل عيساويّ إلى قلب المألوف، وإلى جمع عناصر تبدو متنافرة في صورة واحدة. أن يختلط المقدّس والجسدي، الرقة والعنف، الشهوة والفقد، الحياة والموت. وفي قلب هذا التوتر، تتقدّم القصيدة عبر الحكاية وعبر صور متوالدة ومفارقات لغوية تغدو معها الأشياء فضاء أكثر التباساً واتساعاً. في قصائد مثل "خبز" و"الموتى" و"الرغيف" و"الظل"، تتحوّل المفردات اليومية والطبيعية إلى أدوات لملامسة أسئلة الوجود. وفي قصائد أخرى، تدخل الرموز الدينية في حوار متوتر مع الجسد والرغبة والألم، فيصبحُ الجسدُ هكذا جزءاً من عالمها الداخلي، بما ينطوي عليه من أسئلة ومفارقات.تتيح المجموعة الجديدة لعيساوي النظر إلى امتداد تجربته الشعرية عبر نصوص تحمل تواريخ مختلفة، من 2014 و2015 إلى 2021. وهو ما يمنح القراءة فرصة لتتبّع تحوّلات الصورة والنبرة، من دون افتراض وحدة زمنية أو أسلوبية لا تثبتها النصوص نفسها. شاعرٌ وإعلاميّ لبنانيّ لطالما انشغل بالسؤال، والعلاقة الملتبسة بين الفرد والدين، والجسد والواقع. سواء في المقالة أو الحوار المتلفز، قاربَ الإنسان والثقافة والتحوّلات التي يعيشها لبنان والعالم العربيّ، وكان الاقتراب الحميم من الشخصيّات والأفكار ركناً حيويّاً في تجربته الإعلاميّة.أصدر عيساوي سبع مجموعات شعريّة بدت صوتاً خاصّاً متمرّداً، ولكن نقيّاً. بدءاً من "قصائد المنزل" (1992)، مروراً ب"على سرير ينكسر"، و"شاي لوقاحة الشاعر"، و"القدّيس X"، و"تحت الشمس يهطل الروث"، و"ميت سكران يطلب المزيد"، وصولاً إلى "نِصفُ قبلة وفخذٌ".اتسمت برامجه التلفزيونيّة، بدورها، بالجدّة والصداميّة، فأثارت الجدل"بدون كرافات" على قناة "سيغما 90"، و"كتاب" على "أوربت"، و"ناس من ذهب" على "تلفزيون لبنان"، و"عكس السير" و"عليك الأمان" على "إن بي إن" و"قريب جدّاً" على "الحرّة".في أعماله الأخيرة، عبر منصّاته على وسائل التواصل الاجتماعيّ، تغدو التفاصيل باباً جديداً للغوص في الإنسان ومصيره، وسط اقتحام الآلة الذكيّة عالمه، وربما بداية "أفوله" كذات عارفة، منتجةٍ للمعنى.وهنا، في هذه التجربة، يغرف الشاعر من الدينيّ والمحرَّم والهشّ، مواجهًا الموت والحبّ والجسد والوحدة، بلغة مسنونة، ساخرة أحياناً، تعاند اللغة نفسها، وثغري الكلمات بالصمت، وربما بداية "النهاية".