يُجمع الكثير من المؤرخين والرواة والحكواتيين على أن تشييد الجامعة الأميركية في بيروت - الكلية السورية الإنجيلية سابقًا - العام 1866، كان النواة لانطلاق العمران والسكن في رأس بيروت. وكان أمرًا غريبًا بالنسبة إلى أهالي المنطقة المجاورة، على ما نقرأ في كتب قصص وحكايات شيخ الأدب الشعبي سلام الراسي، إذ حذّرت عائلات بيروتية مسلمة الأميركيين من الضباع والواوية والجن السارحة في المكان، فيما عمد أفراد عائلات أرثوذكسية إلى معاونة الأميركيين في البناء. وإذ تكفّل الأميركيون - بحسب قصص الراسي - في أوقات عملهم بأمور الضباع والوحوش الضارية والعناصر الطبيعية في المنطقة، تولّى أحد معاونيهم من بيروت، من آل ربيز، أمر طائفة الجن الماورائية لمعايشته هذه الأساطير ومعرفته بأماكن انتشارها. وبينما كانت مباني الجامعة الأميركية تنهض وتتوسع، ويدخل طاقمها في علاقات مع السكان، كانت الوحوش تهرب وتتلاشى من ذاكرة أبناء المنطقة، ويخفت وهجها في المسالك والأماكن المعتمة، لتأتي قصص الجامعة وما رافقها من أمور، فنشّطت حولها مخيلة لا تتوانى عن أسطرة كل ما يحيط بمسائل المرض والشفاء والموت. هكذا كان حدث تشييد الجامعة بمثابة بذرة لتحويل منطقة الحمراء الجامدة، إلى مكان حيوي، ولتصبح على مدى النصف الثاني من القرن العشرين حاضرةً مولّدةً للطاقات والأفكار والأحلام. وقبالة بوابة الجامعة الأميركية، نهض "مطعم فيصل" بالتوازي مع تأسيس "لبنان الكبير" 1920، وكان أشبه بنادٍ للتيارات الأيديولوجية العربية، فجلس على مقاعده البعثي والقومي والتقدمي والعروبي واللبنانوي والليبرالي، وسعيد عقل وأنطون سعادة ومنح الصلح وكمال جنبلاط، حتى اندثر وصار مجرد أطلال. وبالتوازي، يقال إن معالم شارع الحمراء، العصرية والحداثية، بدأت تتشكّل اعتبارًا من العام 1958، عندما اندلعت الثورة أو الحرب، وعمّت الاضطرابات أرجاء العاصمة، باستثناء منطقة الحمراء التي كانت بعيدة من الالتزامات الحزبية والقبضايات والمصالح السياسية، فهجر بعض التجار "وسط البلد" إلى الشارع الذي لا يتجاوز عرضه خمسة عشر مترًا. وتمثّل الحدث الثقافي الأول بافتتاح سينما الحمراء. إذ تحدّى إميل دبغي صالات السينما في البرج، فصدرت التعليمات بمنع حصوله على "عرض أوّل" وبمقاطعة كل موزّع يخرق هذا التوجّه. تغلّب دبغي بسرعة على المقاطعة وحصّل عروضًا أولى وأعطى قيمة لشارع الحمراء. افتتح دبغي سينما الحمراء في الطبقة الأرضية من بناية نسيب عريضة، وذلك يوم الأحد 6 تشرين الأول 1957، وضمت قاعة فيها تسعمئة مقعد. وفي الافتتاح عُرض فيلم "الكاديلاك الذهبية" من بطولة جودي هوليداي وبول دوغلاس، وقد أحضر دبغي سيارة كاديلاك فخمة وركنها على باب السينما وطلاها باللون الذهبي، مما أثار دهشة المارة، فتهافتوا على شراء تذاكر الفيلم. وشهد الشارع في 22 تشرين الثاني، في عيد الاستقلال العام 1959، افتتاح "الهورس شو"، أول مقهى رصيف يتسم بطابع أوروبي لصاحبه منح دبغي، وأصبح نقطة استقطاب للأدباء والمثقفين والسياسيين اللبنانيين والعرب. وافتتح الهورس شو - وهو موضوع كتاب إيمان العبد الله الصادر عن دار نلسن - في مكان أول مسكن عصري على الطراز الحديث، كان قد شيّده لورنس سيلي، البروفسور في الجامعة الأميركية العام 1923. يومها كانت ثلاثة أرباع الشارع عبارة عن حقول صبّير وبساتين عنب ورمّان وتين وزنزلخت وبقول وخُضر. واستمر الشارع موحشًا حتى نهاية الخمسينيات. لكن الشارع ما لبث أن أصبح وجهة للاستثمارات الأجنبية والسفارات والوزارات والملاهي والصالات السينمائية والفنادق والفن التشكيلي وأحدث صيحات الموضة والأزياء وسوق الذهب، وانتقلت إليه جريدة "النهار" العام 1963 ومعها جيش من الصحافيين والمثقفين. شكّل انتعاش الحمراء ضربة لوسط بيروت ولمنطقة الزيتونة، فصار الشارع أكبر من اسمه ويحمل طابعًا حداثيًا، من الأدب والفن والشعر إلى حضور الطبقة الوسطى والرؤساء وحياة الليل. ويعيد كثيرون ازدهار الحمراء إلى نجاح تجارب بعض آل التويني في "النهار"، وخالد عيتاني ومحمود ماميش في صالات السينما، ومنح دبغي في المقهى، وقطوف في التجارة، وكذا عائلات ضاهر وحداد في المقاهي والصالات. وساهمت عوامل عديدة أيضًا في جعل شارع الحمراء مكانًا كوزموبوليتانيًا ونموذجيًا بامتياز، منها طوبوغرافيا الشارع وتنوع سكانه والبورجوازية الفلسطينية المسيحية. فمن الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً، كانت حياة الشارع تجارةً بتجارة، وفي المساء يأتي دور الثقافة والخلق والإبداع، ويتحول الليل إلى نهار. وفي ليلة رأس السنة، يفيض الشارع بالبشر، يجمعهم الفرح والزينة. وكان شارع الحمراء أول شارع لبناني يرتدي زينة الأعياد في أوائل الستينيات، إذ استعان إميل دبغي بالإطفائية لتزيين شجرة الميلاد عند كنيسة الكبوشية، عدا عن تزيين محيط المقهى بالألوان، وهي فكرة استُلهمت