كشف تحقيق أجرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن هوية رقمية غامضة تتصدر قائمة الرابحين على منصة المراهنات وأسواق التوقعات "بولي ماركت" (Polymarket)، بعدما حقق حساب يحمل اسم "سويس توني" (swisstony) أرباحاً تجاوزت 12 مليون دولار من المراهنات الرياضية، مستخدماً استراتيجية تداول مكثفة يُرجّح أنها تعتمد على الخوارزميات. واستند التحقيق، الذي أعدّه الصحافيون كريس كوك وأوليفر هوكينز وستيفاني ستايسي، إلى تحليل بيانات 170 مليون رهان نفّذها نحو 1.2 مليون حساب منذ نيسان 2026، بهدف تحديد أكبر الرابحين وفهم الأساليب التي مكّنتهم من تحقيق أرباح استثنائية. وأظهرت النتائج أن حساب "سويس توني" حقق أرباحاً بلغت 12.25 مليون دولار، بعدما نفّذ 184,001 عملية مراهنة موزعة على 113,112 سوقاً مختلفاً، بإجمالي رهانات وصل إلى 657.19 مليون دولار. واللافت أن الحساب حافظ، اعتباراً من حزيران، على نشاط متواصل تضمن تنفيذ رهان واحد على الأقل كل ساعة طوال 26 يوماً متتالياً، في نمط تداول يشير إلى استخدام أنظمة آلية متطورة. ورغم ضخامة المبالغ المتداولة، لم تتجاوز الأموال المعرضة للمخاطرة في وقت واحد 17.28 مليون دولار، إذ اعتمد الحساب على إعادة استخدام رأس المال باستمرار لتحقيق أرباح صغيرة ومتكررة، بمتوسط عائد بلغ 1.86% من قيمة الرهانات. وأوضح كريس بارك، مؤسس شركة MSR Decode المتخصصة في تحليل أسواق التوقعات، أن "سويس توني" هو في الأساس "مراهن بارع جداً"، يحقق أرباحه عبر شراء عقود تبدو أسعارها أقل من قيمتها الفعلية مقارنة بالاحتمالات التي تحددها شركات المراهنات المحترفة. وبحسب بارك، لم يعتمد الحساب على عمليات مالية شديدة التعقيد، بل استفاد أساساً من الأسعار التي يعرضها متداولون آخرون، مع تنفيذ عدد هائل من الصفقات بكفاءة عالية. لكن الأكثر إثارة أن الحساب توقف عن شراء عقود جديدة منذ نحو شهرين، وغيّر وصف ملفه الشخصي إلى عبارة "وداعاً، وشكراً على كل الأسماك"، وهي إشارة إلى رواية الخيال العلمي الشهيرة "دليل المسافر إلى المجرة". ولا تزال الهوية الحقيقية للشخص أو الجهة التي تدير الحساب مجهولة. ورغم أن الاسم يوحي بأصول سويسرية، فإنه يتطابق أيضاً مع اسم شخصية بائع سيارات ظهرت في البرنامج الكوميدي البريطاني "The Fast Show" بين عامَي 1994 و1997. ولم يكن "سويس توني" الرابح الوحيد الذي أثار اهتمام المحللين. فقد احتل حساب "mintblade" المرتبة الثانية بأرباح بلغت 9.11 مليون دولار، بعدما نجح في توقع نتائج مرتبطة بمباريات السعودية والأوروغواي ونيوزيلندا وإيران خلال كأس العالم لكرة القدم. أما الحساب الثالث "fishalive"، فحقق أرباحاً بلغت 9 ملايين دولار من رهانين فقط على مباراة إسبانيا والرأس الأخضر. ووضع هذا الحساب 440 ألف دولار على احتمال عدم فوز إسبانيا، رغم أن الاحتمال الضمني لهذا السيناريو لم يتجاوز 9%، ما أتاح له تحقيق ربح قدره 4.7 ملايين دولار. كما راهن بمبلغ 3.85 ملايين دولار على عدم فوز إسبانيا بفارق يتجاوز هدفين، لتنتهي المباراة بالتعادل. وكشف التحقيق أيضاً أن بعض كبار الرابحين خاطروا بأكثر من مليون دولار على مباراة واحدة، خصوصاً خلال كأس العالم للرجال، وهي مبالغ يصعب عادةً المراهنة بها لدى الشركات التقليدية التي تفرض قيوداً على الإيداعات وحجم الرهانات. وفي المقابل، اعتمد حساب "RN1"، الذي حقق أرباحاً بلغت 5.72 ملايين دولار، على استراتيجية مختلفة تقوم على عرض أوامر شراء مستمرة لطرفَي الرهان، بهدف الاستفادة من فروقات الأسعار وتحقيق أرباح المراجحة. ووصف بارك هذه الاستراتيجية بأنها أقرب إلى "لعب دور شركة المراهنات نفسها"، بدلاً من الاكتفاء بتوقع نتائج المباريات. ومن بين الحسابات العشرة الأكثر ربحاً، ظهر أيضاً حساب "joseph00677" الذي حقق 5.33 ملايين دولار من 22 عملية مراهنة، معظمها على مباريات المنتخبات الأوروبية ودوري أبطال أوروبا والدوري الإنكليزي الممتاز. لكنه تراجع من المرتبة التاسعة إلى العاشرة بعد خسارة كبيرة نتيجة مراهنته على فوز تشيلسي على توتنهام. وأثار التحقيق تساؤلات بشأن الرقابة على المنصة، التي تسمح لمعظم المستخدمين بالتداول عبر محافظ عملات مشفرة مجهولة الهوية، من دون الخضوع لإجراءات التحقق التقليدية من هوية العملاء. وأكدت "بولي ماركت" أنها تراقب المراكز المالية الكبيرة، خصوصاً في الأسواق التي ترتفع فيها مخاطر التلاعب، مشيرة إلى أنها تفحص المحافظ المرتبطة بالعقوبات وتراقب التداولات بالتعاون مع جهات متخصصة، بينها شركة Chainalysis. وقالت المنصة إن "كل عملية تداول مسجلة علناً على سلسلة الكتل، وإن تحليل هذه البيانات غالباً ما يكون أداة أقوى من التحقق من الهوية". وفي موازاة ذلك، بدأت شركات مراهنات كبرى، بينها DraftKings وFlutter المالكة لعلامات Paddy P