أكثر من نصف مليون شاب وشابة باتوا مؤهّلين للاقتراع للمرة الأولى في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أمس، وسط ميل واضح لدى الناخبين الجدد نحو اليمين ويمين الوسط، وفق استطلاعات سبقت التصويت. وفي بلد تطبعه صدمة هجوم "7 أكتوبر" وثلاث سنوات من الحروب، يتجاوز هذا التوجّه حسابات الاقتراع ليطرح سؤالاً عن تحوّلات المجتمع وهويته السياسية: ما الذي يدفع الشباب الإسرائيلي نحو اليمين؟ تصدّرت قضايا الأمن والمحاسبة الحملة الانتخابية، في ظلّ استمرار تداعيات هجوم "حماس" والحروب الإقليمية التي أعقبته. وشهدت الانتخابات منافسة محتدمة فيما تبدو إسرائيل أكثر عزلة على الساحة الدولية، بفعل حملتها العسكرية المدمّرة في غزة وتسارع البناء الاستيطاني وتصاعد العنف في الضفة الغربية، وتنامي النزعة القومية الدينية اليمينية المتشدّدة. بالأرقام، كان نحو 7.3 ملايين شخص مؤهّلين للتصويت، بينهم أكثر من نصف مليون شاب وشابة يحقّ لهم الاقتراع للمرة الأولى. وتظهر الاستطلاعات أن الأغلبية الساحقة منهم تصنّف نفسها ضمن يمين الوسط أو اليمين. يختصر صعود وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير جانباً من التحوّل نحو اليمين المتطرّف في إسرائيل. فحين بلغ سنّ التجنيد، رفض الجيش ضمّه إلى صفوفه بسبب مواقفه المتطرّفة. وبعد نحو ثلاثة عقود، لم تتبدّل آراؤه كثيراً، لكن موقعه تغيّر من شخصية منبوذة في المؤسسة السياسية إلى أحد أركان الائتلاف الحاكم. وبرز الحضور الشبابي في حملته الانتخابية قبيل اقتراع أمس، إذ كان يظهر محاطاً بأنصار شباب يلوّحون بأعلام حزبه، في مشهد يعكس جاذبية خطابه لدى شريحة من الناخبين الجدد. وأظهر استطلاع أُجري قبل الانتخابات لحساب صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن أكثر من 16٪ من الشباب الذين يحقّ لهم الاقتراع للمرة الأولى كانوا يعتزمون التصويت لحزب "القوة اليهودية" بزعامة بن غفير، أو لحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة حليفه بتسلئيل سموتريتش. كذلك، بيّن استطلاع آخر لحساب "القناة 12" الإسرائيلية أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين الجدد يصنّفون أنفسهم ضمن "اليمين" أو "يمين الوسط". وتكشف هذه الاستطلاعات عن ميل واسع لدى الناخبين الجدد نحو اليمين، لا يقتصر على تأييد بن غفير وسموتريتش، بل يشمل أيضاً من يصنّفون أنفسهم ضمن اليمين ويمين الوسط من دون دعم حزبيهما. لكن هذه المؤشرات تعكس توجّهات الشباب قبل الانتخابات، ولا تكفي وحدها لتحديد كيفية توزّع أصواتهم في اقتراع أمس. وفي مواجهة هذا التوجّه، حاولت أحزاب المعارضة استقطاب الناخبين الشباب عبر التحذير من التهديدات التي تواجه الديموقراطية، وتكثيف حضورها على منصّات التواصل الاجتماعي، وتقديم مرشّحين من الفئات العمرية الشابة. وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. يقول أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس كريم إميل بيطار لـ"النهار" إن إسرائيل تشهد تحوّلاً متزايداً نحو اليمين القومي والديني واليمين المتطرّف، مشيراً إلى أن "المفارقة أن هذا الاتجاه يتناقض مع ما نلاحظه في عدد من المجتمعات الغربية". ويوضح بأن شريحة واسعة من الشباب في هذه المجتمعات تميل إلى تبنّي مواقف أكثر تقدّمية من الأجيال الأكبر سنّاً، مستشهداً بشعبية رئيس حزب "فرنسا الأبية" اليساري جان لوك ميلانشون بين الشباب في فرنسا. ويُرجع بيطار هذا التوجّه في إسرائيل إلى ثلاثة تحوّلات أساسية؛ أوّلها أمني، يتمثّل في تراجع الثقة بإمكان التوصّل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، نتيجة انهيار مسار أوسلو والانتفاضة الثانية والحروب المتكرّرة، وصولاً إلى هجمات 7 أكتوبر التي يضعها في مقدّمة العوامل المؤثّرة. أما التحوّل الثاني، فديموغرافي وثقافي، يرتبط بارتفاع الوزن النسبي للمتديّنين في المجتمع الإسرائيلي، وتعاظم دور الصهيونية الدينية (Religious Zionism) في تعريف الهوية اليهودية الإسرائيلية. ويتّصل التحوّل الثالث بالسياسة وتعاقب الأجيال، إذ يشير بيطار إلى تراجع اليسار التاريخي ونشوء أجيال لم تعش المرحلة التي كانت فيها التسوية الإسرائيلية الفلسطينية مشروعاً سياسياً يحظى بمصداقية واسعة. وتضيف المحلّلة السياسية داليا شيندلين، التي سبق لها أن أدارت حملات سياسية عدّة في إسرائيل، بُعداً آخر يتّصل بالبيئة التي تشكّل فيها وعي هؤلاء الشباب وحدود المقبول في النقاش السياسي. وتقول، في حديث إلى "بي بي سي"، إن ميل الشباب اليهود في إسرائيل نحو اليمين يتجاوز المعدّل العام منذ نحو عشرين عاماً، ويبدو أكثر وضوحاً، وفق مؤشرات عدّة، مقارنةً بالفئات التي تبلغ 55 عاماً وما فوق. وتوضح بأن هؤلاء نشأوا في ظلّ حروب متعاقبة، من دون تجربة شخصية مع جهود تحقيق السلام، وفي بيئة باتت فيها طروحات كانت تُعدّ من الأكثر تطرّفاً، مثل ضمّ الأراضي وتوسيع المستوطنات، تُناقَش ب