تتجه إسرائيل نحو أزمة سياسية معقّدة، بعدما أظهرت استطلاعات الخروج من صناديق الاقتراع تقارباً شديداً بين معسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت، من دون حصول أي منهما على الأكثرية المطلوبة لتشكيل حكومة. ومع غياب طريق واضح لكسر التعادل، يبرز احتمال استمرار نتنياهو في تصريف الأعمال، وصولاً إلى إجراء انتخابات جديدة في نيسان المقبل. وبحسب تقرير للصحافي باراك رافيد في موقع "أكسيوس"، فإن الجمود السياسي يبدو النتيجة الأكثر ترجيحاً للانتخابات، في ظل ضعف موقع نتنياهو، وعجز المعارضة عن تأمين أكثرية بديلة تتيح لها تسلّم السلطة. وأظهرت استطلاعات الخروج حصول معسكر نتنياهو على ما بين 51 و52 مقعداً، مقابل 49 إلى 51 مقعداً لمعسكر آيزنكوت، فيما تحتاج أي حكومة إلى 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. وكان معسكر آيزنكوت قد تقدّم بفارق طفيف في الاستطلاعات الأولى، قبل أن يقلّص نتنياهو الفارق مع تقدم ساعات الليل. وعلى مستوى الأحزاب، يتجه الليكود بقيادة نتنياهو إلى الفوز بنحو 27 مقعداً، مقابل 21 مقعداً لحزب "يشار" بقيادة آيزنكوت، ما يُبقي الليكود الحزب الأكبر، من دون أن يمنحه القدرة على تشكيل حكومة بالاعتماد على حلفائه الحاليين. لكن المفاجأة الأبرز تتمثل في الصعود التاريخي للأحزاب العربية، التي تتجه إلى حصد ما بين 18 و19 مقعداً، في نتيجة غير مسبوقة تمنحها وزناً مؤثراً في الحسابات البرلمانية. ورغم أن آيزنكوت يستطيع نظرياً تشكيل حكومة أقلية بدعم الحزبين العربيين، فإن هذا السيناريو يبدو مستبعداً بسبب التعقيدات السياسية والاعتراضات على الاعتماد عليهما. وتضع هذه النتائج إسرائيل أمام احتمال غير مألوف، يتمثل في بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف أعمال ممسكاً بالسلطة التنفيذية، في مقابل سيطرة المعارضة بقيادة آيزنكوت على الكنيست، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية ومؤسساتية طويلة. وفي حال تعذّر التوصل إلى تسوية، قد يستمر هذا الوضع حتى نيسان المقبل، موعد محتمل لانتخابات جديدة. أما البديل الآخر، فيتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع نتنياهو وآيزنكوت، لكنه يبدو بدوره ضعيف الاحتمال، في ظل رفض أحزاب المعارضة المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو. وفي أول خطاب له بعد منتصف الليل، أعلن آيزنكوت انتصاره، معتبراً أن الإسرائيليين صوّتوا لمصلحة التغيير، وأن على نتنياهو مغادرة الحياة السياسية إذا كان "قائداً نزيهاً". ولم يكتفِ آيزنكوت بالموقف السياسي، بل وجّه تحذيراً مباشراً إلى نتنياهو قائلاً: "لا تجرؤ على استخدام أمن إسرائيل لخدمة مصالحك السياسية"، ملمّحاً إلى احتمال لجوء رئيس الوزراء إلى عمل عسكري قبل تشكيل حكومة جديدة. كما دعا قادة الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية إلى إدراك أن نتنياهو بات يقود حكومة انتقالية. وحدّد آيزنكوت 3 مبادئ للحكومة التي يسعى إلى تشكيلها، تشمل الحفاظ على إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، وفرض الخدمة العسكرية والوطنية على الجميع، وتفكيك حركة حماس. في المقابل، صعد نتنياهو إلى المنصة بعد الساعة 3 فجراً، معلناً بدوره الانتصار، ومؤكداً أن الليكود هو الحزب الأكبر، وأن المعسكر اليميني يتمتع بأكثرية واضحة بين السكان اليهود والجمهور الصهيوني. ودعا إلى تشكيل "حكومة وطنية يمينية يهودية قوية"، رافضاً قيام حكومة تعتمد على الأحزاب العربية التي وصفها بأنها "معادية للصهيونية"، في موقف يزيد صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية. ولم يغب التصعيد الإقليمي عن خطاب نتنياهو، إذ أعلن أن "إيران أضعف من أي وقت مضى، وإسرائيل أقوى من أي وقت مضى"، معتبراً أن التعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمنح إسرائيل القدرة على إزالة التهديد الإيراني بصورة نهائية. وجاء هذا المشهد بعد انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ 3 عقود، ما يعكس حجم التعبئة السياسية، لكنه لم يُترجم، وفق استطلاعات الخروج، إلى أكثرية واضحة لأي من المعسكرين. ومع استمرار فرز الأصوات واحتمال امتداده لأيام، تبقى الحسابات النهائية مفتوحة على تغييرات في توزيع المقاعد، وإن كانت المعطيات الأولية تشير إلى مأزق يصعب تجاوزه من دون تنازلات سياسية كبيرة. وهكذا، تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة حادة: نتنياهو يحتفظ بالحزب الأكبر لكنه يفتقر إلى الأكثرية، وآيزنكوت يعلن الانتصار من دون امتلاك طريق مضمون إلى رئاسة الحكومة، فيما تحقق الأحزاب العربية إنجازاً تاريخياً من دون ضمان مشاركتها في السلطة. وبين استبعاد حكومة الوحدة وصعوبة تشكيل حكومة أقلية، يتحول التعادل الانتخابي إلى أزمة حكم مفتوحة، قد تُبقي نتنياهو في السلطة من دون أكثرية برلمانية، وتدفع الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع مجدداً بعد أشهر فقط.