في وقت تحوّل فيه التصويت العربي إلى أحد أبرز عناصر المفاجأة في الانتخابات الإسرائيلية، دخل وليد جنبلاط على خط قراءة المشهد بسؤال مقتضب حمل أكثر من إشارة إلى الوزن الذي باتت تحققه القوائم العربية في عملية الفرز: "هل الصوت العربي يغير شيئًا في الانتخابات في إسرائيل؟". ونشر جنبلاط عبر حسابه على منصة "إكس" العبارة مرفقة بصورة لتمثال "الكاتب الجالس"، أحد أشهر أعمال الفن المصري القديم المحفوظة في متحف اللوفر في باريس. وبحسب متحف اللوفر، يمثل التمثال كاتبًا مصريًا جالسًا متربعًا ويحمل لفافة من البردي، ويعود إلى الدولة القديمة، وتحديدًا إلى الأسرة الرابعة أو الخامسة، نحو 2600 - 2350 قبل الميلاد، وقد عُثر عليه في سقارة. أما هوية الشخص الذي يمثله التمثال فغير معروفة. ولم يرفق جنبلاط منشوره بأي شرح يوضح سبب اختياره لهذا التمثال تحديدًا، وبالتالي لا يمكن الجزم بالدلالة السياسية التي أراد إيصالها عبر الصورة، فيما جاء نص المنشور نفسه مركزًا بصورة مباشرة على السؤال المتعلق بمدى قدرة الصوت العربي على التأثير في نتائج الانتخابات الإسرائيلية. ويأتي سؤال جنبلاط في لحظة برز فيها التصويت العربي بقوة خلال يوم الاقتراع. فقد أفادت "رويترز" بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحلفاءه دعوا أنصارهم إلى التصويت بكثافة بعدما سجلت البلدات العربية مشاركة مرتفعة، فيما اعتبر قادة عرب أن ارتفاع نسبة الإقبال يمكن أن يمنحهم وزنًا أكبر في المشهد السياسي. ويشكل المواطنون العرب نحو 21% من سكان إسرائيل. وعكست الأرقام حجم التحول في بعض المدن العربية، إذ بلغت نسبة الاقتراع في الناصرة 72.2% مقابل 48.29% في انتخابات 2022، وفي رهط 82% مقابل 60.61%، فيما وصلت في أم الفحم إلى 75.7% مقارنة بـ38.29% قبل 4 سنوات. وعند إغلاق صناديق الاقتراع، بلغت نسبة المشاركة العامة 77.7%، وهي الأعلى منذ أكثر من عقدين، وفق "رويترز". أما على مستوى النتائج، فقد أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع بدايةً أن "القائمة المشتركة" و"راعم" قد تحصدان معًا ما بين 18 و19 مقعدًا، مقارنة بـ10 مقاعد فقط للحزبين في الكنيست المنتهية ولايته، ما أثار حديثًا إسرائيليًا واسعًا عن عودة الأحزاب العربية إلى موقع مؤثر في معادلة تشكيل الحكومة. ومع تقدم الفرز، تعزز هذا الاتجاه. فبحسب النتائج الجزئية المنشورة استنادًا إلى بيانات لجنة الانتخابات المركزية، وبعد فرز 76.8% من صناديق الاقتراع، حصل معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، مقابل 47 لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما ارتفع مجموع مقاعد "القائمة المشتركة" و"راعم" إلى 19 مقعدًا. وتبقى هذه النتائج غير نهائية، مع استمرار الفرز واحتساب أصوات المغلفات المزدوجة، ومنها أصوات الجنود. ويكتسب الرقم العربي أهمية إضافية لأن أي معسكر يحتاج إلى 61 مقعدًا لتشكيل أغلبية في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا، فيما لا يزال كل من معسكري نتنياهو وآيزنكوت دون هذه العتبة. غير أن تحويل القوة العددية للأحزاب العربية إلى تأثير مباشر في تشكيل الحكومة لا يزال مرتبطًا بمواقف بقية الأحزاب. فقد أبدى "راعم" بقيادة منصور عباس استعدادًا للمشاركة في ائتلاف مناهض لنتنياهو، بينما أبدت "القائمة المشتركة" استعدادًا للتعاون من أجل استبدال نتنياهو من دون أن يعني ذلك بالضرورة دخولها الحكومة. وفي المقابل، كانت قوى عدة في معسكر المعارضة قد أعلنت رفضها الجلوس مع أحزاب عربية في ائتلاف واحد. وبذلك، يأتي سؤال جنبلاط "هل الصوت العربي يغير شيئًا؟" في توقيت أظهرت فيه صناديق الاقتراع ارتفاعًا واضحًا في المشاركة العربية، وترجمة هذا الارتفاع إلى زيادة كبيرة في عدد المقاعد، فيما يبقى الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان هذا الوزن البرلماني سينعكس فعليًا على هوية الحكومة المقبلة أو على شروط تشكيلها.