تتجه العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا نحو مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري إلى الإنتاج والتصنيع ونقل التكنولوجيا، مع الدفع بمشروعات استراتيجية في مقدمتها المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالتوازي مع تعزيز أمن الإمدادات الغذائية. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو، وسط تحركات لزيادة التجارة والاستثمارات المشتركة وتسريع تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، بما يدفع الشراكة نحو الإنتاج والتصنيع ونقل التكنولوجيا بدلًا من اقتصارها على التعاون السياسي. وتكتسب مشاركة مصر أهمية خاصة في ضوء موقعها الجغرافي ودورها في حركة التجارة بين إفريقيا وأوروبا وآسيا، إلى جانب امتلاكها شبكة من الموانئ والمناطق الاقتصادية، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يعزز فرص تحولها إلى قاعدة للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الإفريقية والعربية. وتشير البيانات إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا بلغ نحو 5.7 مليار دولار عام 2025، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إلى السوق الروسية من 485 مليون دولار عام 2021 إلى 811 مليون دولار عام 2025، بنمو تراكمي يقارب 67%. ورغم هذا النمو، يبقى التحدي في تحقيق توازن أكبر بين الواردات والصادرات، وتوسيع قاعدة الشركات المصرية المصدرة، وتحويل الاتفاقات التجارية والاستثمارية إلى مشروعات إنتاجية وتدفقات مالية مستدامة. وفي هذا السياق، تبرز المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كأحد أبرز المشروعات القادرة على منح العلاقات الاقتصادية دفعة جديدة. وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد بحث، في 19 تشرين الأول الجاري، مع نائب رئيس ديوان الرئاسة الروسية مكسيم أوريشكين تطورات المشروع وسبل تسريع تنفيذه، إلى جانب فرص التعاون في الصناعات الثقيلة وتصنيع السيارات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وتكمن أهمية المشروع في إمكانية تحويل مصر إلى مركز للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الإفريقية والعربية بدلًا من الاقتصار على استيراد المنتجات الروسية، فيما يرتبط مردوده الفعلي بسرعة التنفيذ وحجم الاستثمارات التي تدخل مرحلة التشغيل، ونسبة المكون المحلي، وعدد فرص العمل والصادرات الجديدة. وفي موازاة المسار الصناعي، يأتي التعاون الزراعي وإمدادات القمح في مقدمة الملفات الاقتصادية، في ظل أهمية القمح لمنظومة الغذاء والدعم في مصر وتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف الشحن والنقل. وتشمل المناقشات إمدادات القمح والعقود طويلة الأجل، إلى جانب مقترح إنشاء مركز لوجستي للحبوب في الموانئ المصرية لدعم التخزين والنقل وإعادة توزيع الإمدادات. كما تتناول التعاون الزراعي والصناعي وإمدادات الأسمدة وتكنولوجيا الزراعة وتجميع المعدات الزراعية وتطوير مراكز النقل والخدمات اللوجستية. وتمنح القمة فرصة لإعادة ترتيب أولويات الشراكة المصرية الروسية حول ثلاثة مسارات رئيسية، هي زيادة الصادرات المصرية، وتسريع الاستثمارات الصناعية، وتعزيز أمن الإمدادات الغذائية، فيما يبقى معيار نجاح هذه الشراكة مرتبطًا بما يتحقق على الأرض من مصانع تدخل الخدمة، وصادرات تنمو، وفرص عمل جديدة، وقدرة أكبر على إدارة تكاليف ومخاطر الاستيراد.