في ظل تصاعد المخاطر الرقمية التي ترافق التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وضع لبنان ملف الأمن السيبراني في صلب أولوياته التكنولوجية، مع كشف وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة أن العمل جارٍ لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع قانون ينظم هذا القطاع ويؤسس لجهة وطنية مختصة بقيادته. وجاء موقف شحادة خلال تمثيله رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في المؤتمر الإقليمي السادس للاتحاد العربي للإنترنت والاتصالات (ARISPA)، الذي عُقد في بيروت بعنوان "الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي"، بالتعاون مع الأمانة الفنية لمجلس الاتصالات والمعلومات العرب في جامعة الدول العربية، وتنظيم جمعية المعلوماتية المهنية في لبنان. وأكد شحادة أن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح الأمن السيبراني، إذ يتيح للمؤسسات أدوات أكثر فاعلية لاكتشاف الهجمات واستباقها، لكنه يمنح في المقابل الجهات الخبيثة وسائل أكثر تطورًا لتنفيذ عمليات معقدة وسريعة. وشدد على أن حماية أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها باتت ضرورة، إلى جانب تعزيز الرقابة البشرية والمساءلة والاستعداد للتحديات المرتبطة بالحوسبة الكمّية، ولا سيما على مستوى حماية الاتصالات الرقمية والمعاملات المالية والمعلومات الحكومية الحساسة. واعتبر شحادة أن الأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية للأمن الوطني والسيادة الرقمية، محذرًا من أن أي اختراق واسع قد ينعكس مباشرة على الخدمات الحيوية واستمرارية المؤسسات وثقة المواطنين بالدولة. وكشف أن لبنان يمتلك طاقات بشرية متخصصة في التكنولوجيا والأمن السيبراني يمكن البناء عليها لتطوير منظومة وطنية قادرة على حماية المؤسسات والبيانات، مشيرًا إلى أن مشروع القانون المرتقب سيؤدي إلى إنشاء جهة مختصة ومنحها الصلاحيات اللازمة لقيادة الملف على المستوى الوطني وتنسيق الاستجابة للمخاطر السيبرانية. وحدد شحادة 5 أولويات لتعزيز الجهوزية السيبرانية، تشمل التحول الرقمي الآمن منذ مرحلة التصميم، وتعزيز الصمود السيبراني الوطني، وتنمية الكفاءات المتخصصة، وترسيخ الحوكمة والمساءلة، وتوسيع التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات والخبرات. وفي السياق نفسه، شدد رئيس الاتحاد العربي للإنترنت والاتصالات فراس بكور على أن الأمن السيبراني لم يعد ملفًا تقنيًا فقط، بل أصبح جزءًا من الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والسيادة الرقمية، داعيًا إلى الاستثمار في الكفاءات العربية والبحث العلمي وتطوير حلول محلية وإقليمية. بدوره، رأى النائب إلياس حنكش أن الحدود لم تعد جغرافية فقط بل أصبحت رقمية أيضًا، معتبرًا أن التشريعات ما تزال متأخرة عن مواكبة التطور التكنولوجي، ومطالبًا باستراتيجية وطنية واضحة للأمن السيبراني وتحديث القوانين المرتبطة بحماية البيانات والابتكارات. أما ممثل جامعة الدول العربية خالد والي، فأكد أن نجاح الدول العربية في الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي يتطلب تطوير البنى التحتية وتعزيز أمن المعلومات والشبكات ووضع تشريعات تحمي البيانات الشخصية وتضمن الثقة بالتكنولوجيا، في وقت تعمل الجامعة على استراتيجية عربية للذكاء الاصطناعي وميثاق لأخلاقياته. ويأتي المؤتمر في مرحلة تتسارع فيها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توسع مخاطر التزييف العميق والاحتيال الرقمي والهجمات السيبرانية المدعومة بالتكنولوجيا الحديثة، ما يعزز الحاجة إلى أطر قانونية ومؤسساتية أكثر قدرة على مواكبة هذه التحديات.