في بيتٍ قديم، كانت امرأةٌ تغسل ثياب عائلتها بيديها؛ تحمل الماء، وتنحني طويلًا، ثم تنشر تعبها مع الغسيل؛ اليوم، تضغط حفيدتها زرًّا، وتمضي إلى عملٍ آخر؛ بين اليد والزرّ حكايةُ تقدّمٍ لا تختصرها آلة، بل ساعاتٌ استعادها الإنسان من التعب. وفي مكانٍ آخر، يقف عاملٌ أمام آلةٍ تنجز في دقائق ما تعلّم أن يصنعه خلال سنوات؛ يتأمّل قدرتها، ثم يسأل عمّا سيحدث لقدرته هو؛ ما أراح يدًا أقلق يدًا أخرى؛ وما فتح بابًا جعل إنسانًا يخشى أن يُغلَق بابه. هكذا تدخل التكنولوجيا حياتنا؛ نستقبلها في أشياء صغيرة، ثم نكتشف أنها غيّرت تفاصيل أكبر ممّا توقّعنا: كيف نعمل، وكيف نتعلّم، وكيف نلتقي، وما الذي نحتاج إلى تعلّمه من جديد؛ ومع الوقت، تصبح مألوفةً إلى حدّ أننا نستغرب كيف عاش مَن سبقونا من دونها. ننظر إلى الأداة الجديدة ونسأل: ماذا تستطيع أن تفعل؟ نُعجب بسرعتها ودقّتها وما تختصره من جهد؛ لكن سؤالًا آخر يستحقّ أن يرافق إعجابنا: ماذا يحدث لنا نحن، حين تصبح في أيدينا قدرةٌ لم تكن لنا من قبل؟ لم تبدأ التكنولوجيا بالشاشة التي نحملها؛ بدأت قبل ذلك بكثير، كلّما صنع الإنسان وسيلةً توسّع قدرته على الحياة؛ أداةً يفلح بها، أو وعاءً يحفظ فيه غذاءه، أو وسيلةً يحمل عليها ما تعجز يداه عن حمله؛ كان وراء الأداة احتياجٌ، ووراء تطويرها سؤال: هل نستطيع أن نفعل هذا بطريقةٍ أفضل؟ لم يعد الإنسان مضطرًّا إلى الاكتفاء بقوّة جسده؛ صنع ما يساعده على عبور مسافةٍ أطول، وعلى بناء مأوى أصلب، وعلى حفظ ما يتعلّمه ونقله إلى مَن يأتي بعده؛ كانت الأداة تمنحه قدرةً تتجاوز حدوده، وتتيح لخبرة فردٍ أن تصبح بدايةً لخبرة غيره. ولهذا لم يتقدّم الإنسان وحده؛ تقدّمت معه معرفةٌ تراكمت بين أيدٍ كثيرة؛ مَن استعمل أداةً ورث فيها شيئًا من تفكير مَن صنعها، ثم أضاف إليها من حاجته وتجربته؛ هكذا صار ما ينتهي إليه جيلٌ نقطةً يبدأ منها جيلٌ آخر. لكن أثر الأداة لم يتوقّف عند العمل الذي تنجزه؛ فالوسيلة التي تختصر المسافة تغيّر لقاءاتنا، والتي تحفظ الكلام تغيّر تعلّمنا، والتي تخفّف الجهد تفتح أمامنا إمكان أن نفعل شيئًا آخر؛ شيئًا فشيئًا، يتغيّر يوم الإنسان بما أدخله إليه. نصنع الأداة لنغيّر بها شيئًا في حياتنا؛ ثم تتغيّر حياتنا حول القدرة التي منحتنا إيّاها؛ ومع الآلة، سيأخذ هذا التغيير حجمًا يمسّ المجتمع كلّه. مع الثورة الصناعية، انتقل كثيرٌ من العمل من الورشة الصغيرة إلى المصنع، ومن مهارة اليد وحدها إلى قدرة الآلة؛ صار بالإمكان إنتاج المزيد في وقتٍ أقلّ، واتّسعت حركة النقل والتجارة، وظهرت أعمالٌ وحاجاتٌ لم تكن مألوفةً من قبل. لكن العامل الذي رأى آلةً تحلّ محلّ حرفته لم يكن يخاف وهمًا؛ كانت له مهارةٌ يعيش منها، وعائلةٌ تنتظر أجره؛ ما بدا لصاحب المصنع زيادةً في الإنتاج، كان يمكن أن يبدو له خسارةً لمكانه؛ فالإنسان لا يفقد دخلًا فقط حين يخسر عمله؛ قد يفقد معه شعوره بأنه مطلوبٌ وقادرٌ على العطاء. ومع الوقت، فتحت الصناعة مجالاتٍ جديدة للعمل، وأسهم التقدّم في رفع مستويات المعيشة؛ لم تختفِ الحاجة إلى الإنسان، بل تغيّرت الأعمال والمهارات المطلوبة منه؛ غير أن المكاسب لم تصل إلى الجميع بالسرعة نفسها، والفرص الجديدة لم تكن متاحةً تلقائيًّا لمَن فقدوا أعمالهم. هنا يظهر الدرس الإنساني: نستطيع أن نرى خير التحوّل على المدى الطويل، وأن نعترف في الوقت نفسه بمعاناة مَن عاشوا كلفته؛ مَن فقد رزقه اليوم يحتاج إلى طريقٍ يعبر به إلى الفرصة الجديدة: تعليمٍ وتأهيلٍ ومساندةٍ تحفظ كرامته خلال الانتقال. ليست مسؤوليّتنا أن نُبقي كلّ عملٍ كما كان؛ مسؤوليّتنا ألّا نترك صاحبه بلا طريقٍ إلى ما يأتي؛ فالتقدّم الذي يفتح أبوابًا جديدة ينجح أكثر حين يساعد الناس على دخولها. يصعب أن نرى قيمة التقدّم كاملةً إذا حسبنا ما زاد في إنتاجنا فقط؛ فبعض أهمّ مكاسبه يظهر في حياةٍ استطاعت أن تستمرّ، وألمٍ أمكن تخفيفه، وقدرةٍ استعادها إنسانٌ بعدما ظنّ أنه فقدها. نظّارةٌ تعيد إلى قارئٍ وضوح الكلمات، وسمّاعةٌ تقرّب إليه صوت حفيده، وطرفٌ اصطناعيّ يساعده على المشي والعمل؛ تبدو هذه أدواتٍ صغيرة أمام المصانع والآلات الكبرى، لكنها قد تغيّر عالم صاحبها كلّه؛ قد نراها أجهزةً، ويرى فيها إنسانٌ قدرتَه على أن يمشي وحده، أو يسمع صوتَ مَن يحبّ، أو يعود إلى حياةٍ اشتاق إليها. والأمر نفسه في الطبّ؛ وراء الفحص والعلاج والجراحة معرفةٌ وأدواتٌ تمنح الطبيب قدرةً أكبر على العناية بمريضه؛ لا يظهر الإنجاز في نجاح الإجراء وحده، بل في إنسانٍ يعود إلى بيته، وأبٍ يستطيع مرافقة أبنائه، وأمٍّ يخفّ عنها الوجع. وقد أظهرت جائحة كورونا قيمة هذا التقدّم؛ إذ أسهم تراكم المعرفة والأبحاث، والتعاون بين العلماء والمؤسّسات البحثيّة، في تطوير لقاحاتٍ فعّالة خلال وقتٍ قياسيّ؛ ورغم ما حمل