حين أراد غادي آيزنكوت إقناع الإسرائيليين بأهليته لخلافة بنيامين نتنياهو، استحضر "عقيدة الضاحية". الاسم مستمدّ من الضاحية الجنوبية لبيروت، والجوهر استخدام قوة تدميرية هائلة ضد المناطق التي ينشط فيها خصوم إسرائيل، بما يشمل البنى التحتية المدنية. وقد ارتبطت هذه العقيدة بسجل آيزنكوت العسكري خلال حرب تموز/يوليو 2006، قبل أن يقدّمها في حملته الانتخابية دليلاً على قدرته على قيادة البلاد. هذا الاختيار يقول الكثير عن طبيعة المنافسة في إسرائيل. فالجنرال السابق، المصنّف في الوسط السياسي، يستند إلى واحدة من أشد العقائد العسكرية الإسرائيلية قسوة ليطرح نفسه بديلاً من رئيس الوزراء الذي يخوض ضده معركة شرسة. شهدت الانتخابات مشاركة مرتفعة ولافتة، عكست حدّة الصراع على السلطة ومستقبل نتنياهو. لكن الخلاف بين الرجلين يبدو أضيق بكثير عندما ينتقل النقاش من هوية رئيس الحكومة إلى ما تريده إسرائيل من جيرانها، وكيف تعتزم فرض إرادتها عليهم. يختلف آيزنكوت عن نتنياهو في طريقة إدارة الدولة وعلاقته بالمؤسسات وتحالفه مع اليمين الديني المتطرف. كما ينتقد إخفاقاته العسكرية، ويحمّله مسؤولية إطالة الحروب من دون تحقيق أهداف واضحة. وقد شارك بنفسه في مجلس الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر، قبل أن ينسحب اعتراضاً على إدارة نتنياهو للمعركة. لكن هذا الخلاف لا يصل إلى الأسس التي تقوم عليها السياسة الأمنية الإسرائيلية. في لبنان، يتفق الرجلان على ضرورة إبعاد "حزب الله" عن الحدود، والاحتفاظ بهامش أمني يتيح للجيش الإسرائيلي التدخل عند تقديره وجود تهديد. بل إن آيزنكوت انتقد رضوخ نتنياهو للضغوط الأميركية لوقف بعض العمليات في بيروت، ودافع عن حق إسرائيل في ضرب الحزب أينما وُجد. وفي سوريا، يلتقيان عند ضرورة الاحتفاظ بضمانات أمنية ومناطق عازلة، في ظل الشكوك الإسرائيلية تجاه السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. قد يكون آيزنكوت أكثر استعداداً للتفاوض على انسحابات جزئية، لكن مبدأ فرض الترتيبات الأمنية بالقوة يبقى حاضراً في حساباته. أما في إيران، فثمة فارق يستحق التوقف عنده. آيزنكوت يعدّ تغيير النظام الإيراني هدفاً غير واقعي، ويفضّل الجمع بين الضغط والعمليات العسكرية المحددة والتفاهمات الممكنة، فيما يميل نتنياهو إلى خيارات أشد تصعيداً. ومع ذلك، يتفق الاثنان على منع طهران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وعلى إبقاء القوة وسيلة لتحقيق هذا الهدف. وفي غزة، ينتقد آيزنكوت فشل نتنياهو في إنهاء حكم "حماس"، لكنه يتبنى هدف تفكيك قدراتها العسكرية. ويعارض، مثله، إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع تمسّكه باستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية. وفي الضفة الغربية، يؤيد الاستيطان ضمن القوانين الإسرائيلية، ويختلف عن شركاء نتنياهو المتطرفين في رفضه البؤر غير المرخصة وعنف المستوطنين. هذه الاختلافات ليست شكلية. فقد تحدد حجم حرب أو توقيتها، وتؤثر في فرص التوصل إلى اتفاق، وفي حياة آلاف المدنيين. لكنها تكشف أيضاً حدود التغيير الممكن عندما يلتقي المتنافسان على الأهداف الأمنية الأساسية، ويختلفان على الوسائل والكلفة. لفهم كيف أصبحت المنافسة على قيادة إسرائيل تدور بين نتنياهو وآيزنكوت، لا بد من العودة إلى إسحق رابين. عام 1992، قاد رابين حزب "العمل" إلى الفوز بـ44 مقعداً، وأضاف حزب "ميرتس" 12 مقعداً. كان اليسار يومها قوة تستطيع قيادة الحكومة، وكان مشروع التسوية مع الفلسطينيين حاضراً في صلب المنافسة السياسية. ثم جاءت اتفاقات أوسلو، قبل اغتيال رابين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1995. لم يختفِ اليسار فور اغتياله. فقد وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة عام 1999. لكن تعثر المفاوضات واندلاع الانتفاضة الثانية، ثم تصاعد الهاجس الأمني وتوسع الاستيطان وصعود القومية الدينية، دفعت المجتمع الإسرائيلي تدريجياً نحو اليمين. وبعد هجوم 7 أكتوبر، ازدادت صعوبة الدفاع عن التسوية في الخطاب السياسي السائد. في انتخابات عام 2022، حصل حزب "العمل" على أربعة مقاعد فقط، وفشل "ميرتس" في دخول الكنيست. بقيت قوى يسارية وأصوات معارضة للحروب والاحتلال، لكن قدرتها على فرض اتجاه مختلف للسياسة الإسرائيلية انحسرت بشدة. وهكذا، لم يعد على اليمين أن يهزم مشروعاً يسارياً قوياً في كل انتخابات. لقد صار جزء كبير من تصوراته الأمنية مقبولاً لدى القوى التي تنافسه على الحكم. ويمكن لآيزنكوت أن يكون خصماً شرساً لنتنياهو في السياسة الداخلية، وأن يبدو، في الوقت نفسه، قريباً منه إلى حد بعيد عند الحديث عن لبنان وسوريا وإيران والفلسطينيين. قد يتغيّر رئيس الوزراء، وقد تختلف علاقات إسرائيل بالعالم وطريقتها في إدارة الحروب. وهذه فروق حقيقية، لا يجوز تجاهلها. لكن التحول الأعمق وقع قبل هذه الانتخابات بسنوات طويلة، حين خرج مشروع التسوية من مركز الصراع على السلطة، وصارت الصلابة العسكرية شرط