لم تعد تداعيات أزمة الصرف الصحي في غزة محصورة داخل القطاع، إذ بدأت انعكاساتها تظهر على منشآت تحلية المياه في إسرائيل، بعدما توقفت غالبية المحطات مجددًا صباح الثلاثاء نتيجة ارتفاع عكارة مياه البحر، ما فتح نقاشًا واسعًا حول مدى اعتماد إسرائيل على التحلية وضرورة حماية مصادر المياه الطبيعية. وبحسب تقرير للصحافي يوفال باغنو في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، عادت غالبية منشآت التحلية إلى التوقف صباح اليوم، بعدما كانت قد عملت خلال ساعات الليل، وذلك بسبب ارتفاع مستوى عكارة مياه البحر. وأعلنت سلطة المياه الإسرائيلية أنه، ووفقًا لتوجيهات قطاع المياه، ستعمل السلطات على تقليص نشاطات الري في المساحات العامة والأنشطة الزراعية، إضافة إلى خفض حجم الاستخدامات العامة للمياه. وأكدت أن إمدادات المياه إلى المنازل ستستمر، فيما سيُخفّض حجم النشاط في المناطق التي تعاني مشكلات موضعية، على أن يتولى مركز تشغيل سلطة المياه معالجة هذه الحالات بشكل مباشر. وفي هذا السياق، قالت الهيئة البيئية التي تضم أبرز المنظمات العاملة في المجال البيئي: "نحن نحذر منذ وقت طويل من الاعتماد على منشآت التحلية، وها نحن نحصل الآن على مثال حي على الخطر الكامن في هذا الاعتماد". وأضافت: "يمكن فقط تخيّل الثمن في حال وقوع هجوم سيبراني. يجب الحفاظ على مصادر المياه الطبيعية، أي المياه الجوفية وبحيرة طبريا. لا يجوز أن تُنسى هذه الحالة، فهي مثال على أن أمن الدولة مرتبط بالأمن البيئي". واعتبرت الهيئة أنه قبل أسبوع واحد من إغلاق لوائح المرشحين للكنيست، فإن الوقت مناسب لضمان تمثيل مرشحين يعالجون القضايا البيئية في جميع اللوائح، مضيفة: "هذه ليست مسألة يمين أو يسار"، وداعية إلى الالتزام بتشريع قانون للمناخ. وفي موازاة ذلك، دعت جمعية "تسالول" الحكومة الإسرائيلية ومنسقية أعمال الحكومة في المناطق إلى التحرك بشكل عاجل لإعادة تأهيل أنظمة الصرف الصحي في غزة. وأكدت الجمعية أن الأضرار البيئية لا تعترف بالحدود، وأن تضرر منشآت معالجة مياه الصرف الصحي في غزة ينعكس بصورة فورية على البيئة وأمن المياه والصحة العامة لدى الجانبين. من جهته، قال البروفيسور جاك غيلرون، الخبير في تحلية المياه والأستاذ الفخري في معهد زوكربيرغ لأبحاث المياه في جامعة بن غوريون، إن إعلان سلطة المياه إغلاق جزء من منشآت التحلية "يؤكد مدى حساسية هذه المنشآت تجاه الأحداث غير الاعتيادية". وأضاف: "من المحتمل أن يكون جزء من العكارة التي تم الحديث عنها ناجمًا عن ازدهار الطحالب، ومن المعروف أن المواد الغذائية الموجودة في مياه الصرف غير المعالجة تزيد من خطر تكاثر الطحالب وإفراز الميكروبات التي يمكن أن تهدد أداء منشآت التحلية". وأشار غيلرون إلى أن مشكلة عدم معالجة مياه الصرف الصحي القادمة من غزة وتصريفها في البحر لا تزال من دون الحل المطلوب عبر منشآت تنقية مناسبة، وهو ما يزيد المخاطر التي تواجه منشآت إنتاج المياه الإسرائيلية الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، حيث توجد 5 من أكبر منشآت التحلية في إسرائيل. وحذر غيلرون من مشكلة أكثر خطورة تتعلق بقرب نقاط سحب مياه التغذية لمنشآت التحلية من مسارات ناقلات النفط، مشيرًا إلى أن أي تسرب نفطي كبير قد يؤدي إلى تعطيل محطة تحلية لعدة أشهر. وقال: "الحالة الحالية تؤكد فقط ضرورة التخطيط والاستعداد للمخاطر التي تهدد مصدرًا مركزيًا لمياه الشرب في إسرائيل". وفي جمعية "آدم طيفع ودين"، حذّر المسؤولون من سياسة وصفوها بأنها "خاطئة وخطيرة"، معتبرين أن إسرائيل تعتمد اليوم بصورة شبه كاملة على منشآت التحلية. وقالت الجمعية: "بينما تستثمر الدولة مليارات في الحماية المادية والأمن السيبراني حول منشآت التحلية، هناك تجاهل شبه كامل لتهديدات حرجة، وفي مقدمتها تلوث البحر، سواء كان طبيعيًا أو بفعل الإنسان، والذي قد يوقف إمدادات المياه فورًا، كما نشهد اليوم". وأضافت أن الإفراط في الاعتماد على التحلية يترافق مع إهمال أهم مخزونات الطوارئ الطبيعية، أي المياه الجوفية، مشيرة إلى أن آبار مياه الشرب تُغلق الواحدة تلو الأخرى بسبب التلوث من دون تنفيذ أعمال إعادة تأهيل، فيما لا تزال مسودة الخطة الرئيسية لإعادة تأهيل طبقات المياه الجوفية التابعة لسلطة المياه تنتظر موافقة الحكومة. وطالبت "آدم طيفع ودين" الحكومة بالمصادقة على الخطة الرئيسية لإعادة تأهيل المياه الجوفية والآبار وتمويلها، وزيادة عدد الآبار المخصصة للتأهيل، مع تحديد جداول زمنية ملزمة. كما طالبت بتشريع وتنفيذ فوري لقانون الاستعداد والاستجابة لحوادث تلوث البحر بالنفط، وبالدفع نحو تجميع مياه الجريان السطحي، بما فيها مياه الأمطار والسيول، وإدخالها إلى باطن الأرض استنادًا إلى سيناريوهات واقعية. وقالت الجمعية: "متانة قطاع المياه في إسرائيل هي أمنها. لا يمكننا الا