صدر حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا رواية بعنوان «بانجو المريكاني» للروائي والصحفي والمترجم الجزائري حميد عبد القادر، في عمل سردي تتشابك فيه الذاكرة الفردية مع التاريخ، وتتحول فيه آلة موسيقية قديمة إلى مفتاح لحكايات تمتد عبر القارات والأزمنة، مستعيدةً مصائر البشر الذين مرّوا بالحروب والهجرة والحب والفقد، وتركوا شيئاً من أرواحهم في الأشياء التي امتلكوها. تنطلق الرواية من مصادفة غير متوقعة، حين يدخل صحفي جزائري متقاعد محلاً للتحف القديمة، فيلتقي آمال نعيم، حبيبته الأولى التي غابت عن حياته ثمانية وعشرين عاماً. تعود المرأة من سنوات طويلة أمضتها في إيطاليا، حاملةً معها تجارب الحب والزواج والانفصال والغربة، فيما يجد الرجل الذي اختار العزلة، بعد أن عايش سنوات العنف الدامية في الجزائر، نفسه أمام ماضٍ اعتقد أنه أغلق أبوابه إلى الأبد. وبين لقاءات الحبيبين القديمين، يكتشف الراوي آلة بانجو عتيقة معروضة للبيع في المحل، تحمل على ظهرها اسم جندي أمريكي من ولاية ألاباما، يُدعى دانزيل فريمان. يثير الاسم فضوله، فيبدأ البحث عن صاحب الآلة وعن الطريق الطويل الذي قطعته حتى وصلت إلى الجزائر. ومن هذا السؤال البسيط تنفتح الرواية على تاريخ يتجاوز حياة الشخصيات، ليصل إلى الجذور الإفريقية للبانجو، وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، والموسيقى الشعبية الأميركية، والحرب العالمية الثانية، وما تركته التحولات الكبرى من آثار في حياة الأفراد والمجتمعات. في «بانجو المريكاني» يواصل حميد عبد القادر اشتغاله الأدبي على التاريخ والذاكرة وتحولات المجتمع الجزائري، مستفيداً من تجربته الطويلة في الصحافة والبحث التاريخي. ويقوم أسلوبه على المزج بين الحكاية والتأمل، وبين التفاصيل اليومية والإحالات الثقافية والتاريخية، مع حضور واضح للسينما والموسيقى والأدب العالمي في تشكيل عالمه الروائي. وتتجلى خصوصية هذا العمل في قدرته على وصل التاريخ الشخصي بالتاريخ الجماعي، وتحويل الأشياء المهملة إلى مفاتيح لقراءة الماضي. فالكاتب لا يبحث عن الحكايات الكبرى في الوقائع التاريخية وحدها، وإنما يتتبع آثارها في حياة الأفراد، وفي اختياراتهم وخساراتهم وعلاقاتهم العاطفية، وفي الأشياء التي تبقى بعد رحيل أصحابها. هكذا تتشكل رواية آسرة عن الحب والغياب والذاكرة، وعن المصائر التي تلتقي من جديد بعد عقود طويلة، وعن الأشياء التي لا تموت حين يفارقها أصحابها، بل تواصل حمل أسرارهم ورواية قصصهم لمن يأتي بعدها. لم يخطر ببالي أبداً، وأنا أدخل بروكُونْت «La Belle époque» بشارع ميسولا، أنني سألتقي بها مجدّداً، وفي هذا المكان بالذات. فالمصادفة السعيدة وحدها هي مَن قادتني إليها. كنتُ أتجوّل في شوارع وسط البلد، أمشي بلا هدف تحت سماءٍ غائمةٍ في عزِّ الظهيرة. برد يناير القارس كان يلفُّ الشارع، كأنه يحاول انتزاع دفئه الأخير القادم من البحر. وفجأة، عند زاوية تقاطع شارع ميسولا مع شارع مارينا، لمحتُ، وأنا أستمع لهدير الأمواج القادمة من الشاطئ القريب، محلّ البروكونت. غمرتني موجةٌ من الفرح المفاجئ، وكأنّ المشي بلا هدفٍ وجد أخيراً غايته. لم أره مجرَّد محلٍّ ألوذ به من المطر الذي هطل فجأةً بغزارة، بعد أن بدأ برذاذٍ خفيف، ثمَّ ما لبث أن تحوّل إلى مطر يناير بعنفوانه كلّه. بل شعرتُ وكأنّ شيئاً ما يستدرجني بلطف نحو الباب الخشبي المطلي بالأزرق، ويدفعني للدخول دون تفكير. حميد عبد القادر، روائي وصحفي جزائري، ولد بالجزائر العاصمة عام 1967. تخرج في معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، وعمل في الصحافة الثقافية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حيث ارتبط اسمه بالكتابة الأدبية والبحث في التاريخ والذاكرة الجزائرية. تنقل في أعماله بين الرِّواية والبحث التاريخي، وصدرت له روايات عدة من بينها: «الانزلاق»، «مرايا الخوف»، «توابل المدينة»، “رجل في الخمسين”، “أسير الشمس”، و«بانجو المريكاني»، ومجموعة قصصية بعنوان “حكايات مقهى ملاكوف الحزينة”، إلى جانب عدد من الكتب الأدبية منها كتاب “نداءُ الرِّواية...أصوات السَّرد الغربيّ من سيرفانتيس إلى فيرجينيا وولف”. وكتاب “فضاء العجائبي في أفق الرِّواية اللاتينو أمريكية”. تتميز كتابته بعناية خاصة بالذاكرة الفردية والجماعية، وبقدرتها على الجمع بين الحس الروائي والخبرة الصحفية، حيث تتقاطع في نصوصه حكايات البشر مع تحولات المكان والتاريخ. وقد نال سنة 2015 جائزة عمر أورتيلان الدولية لحرية الصحافة تقديراً لمسيرته المهنية والثقافية.