منذ سنة 1949 وحتى سنة 1999، اقترع الإسرائيليون لاختيار نوابهم 15 مرة. بعبارة أخرى، إنّ عدد المرات التي نظّمت فيها إسرائيل انتخابات تشريعية في ربع قرن تقريباً كاد يتساوى مع ما نظّمته سابقاً في نصف قرن. ومنذ سنة 2013 حتى اليوم، كان يُفترض أن ينتخب الإسرائيليون نوابهم نحو 4 مرات، على اعتبار أن مدة ولاية الكنيست هي أربعة أعوام. بدلاً من ذلك، انتخبوا ممثليهم في 8 مرات. إذاً بمرور الوقت، يزداد الإسرائيليون تشظياً بينما تعجز مؤسساتهم عن إدارة خلافاتهم بالحد الأدنى من الانتظام. اللافت في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء، هو أنها جرت بسبب انتهاء ولاية الكنيست (2022-2026). وهذا أمر حصل للمرة الأولى منذ 38 عاماً. يمكن قول إنه لولا الحرب لما صمد الكنيست طوال هذه الفترة. فما الذي يحصل في إسرائيل؟ إسرائيل... بين معضلة التمثيل والاستقرار لكل نظام انتخابي محاسنه ومساوئه. في النظام الانتخابي الأكثري، تكون الحكومات إجمالاً أكثر إنتاجية، لكن أقل قدرة على التمثيل الصحيح. يكفي أي حزب أن يتخطى نسبة 50 في المئة من الأصوات (وأحياناً أقل) كي يفرض برنامجه على سائر الشرائح السياسية حتى لو كادت تعادل نصف الناخبين. على العكس من ذلك، يؤمّن النظام الانتخابي النسبي تمثيلاً أوسع وأكثر عدالة لأنه يوصل إلى البرلمان عدداً أكبر من الأحزاب، بالتناسب مع حجم تمثيلها. لكن ذلك يشتّت آلية صناعة القرار. كانت التعددية السياسية والدينية والثقافية للإسرائيليين أحد أسباب اختيار النظام الانتخابي النسبي، لكنّ الأخير عرّض برلمانها لنقطة ضعف كبيرة. زعيم حزب يشار غادي آيزنكوت بعد إدلائه بصوته في انتخابات الكنيست. (أ ف ب) وما يفاقم المشكلة في النظام الانتخابي الإسرائيلي أن العتبة الانتخابية التي تسمح لأي حزب بدخول الكنيست منخفضة نسبياً، وتبلغ 3.25 في المئة. المعدل العام لمستوى معظم العتبات الانتخابية حول العالم يتراوح بين 4 و5 في المئة. هذا مع العلم أن العتبة الانتخابية في إسرائيل كانت أقل من ذلك قبل 2014. هي تراوحت تاريخياً بين 1 و2 في المئة، لكن تم رفعها لتخفيف التشظي، وبشكل مرجّح، لتقييد قدرة الأحزاب العربية على دخول الكنيست. أطلق ذلك نتيجة عكسيّة "مضحكة"، بحسب توصيف "جيروزاليم بوست". وبحسب دراسة لإيريز كوهين من جامعة أريئيل الإسرائيلية (2023)، تتمتع إسرائيل بأكبر عدد ممكن من الشروط (أربعة) التي تمكّن من حلّ الكنيست، قياساً بأي ديموقراطية برلمانية حول العالم. ساهم ذلك أيضاً في غياب الاستقرار. لكنّ أهمّيّة الدراسة تكمن أيضاً في بُعدٍ آخر. ألكسي دو توكفيل و"أمْرَكة المجتمع الإسرائيلي" هنا ينتقل المأزق الإسرائيليّ من المؤسسات والقوانين إلى القيم والشخصيات الحاكمة. وهذا العامل قد يكون أهم، لأن دورات الكنيست السابقة كانت أكثر استقراراً. استخدم كوهين مصطلح "أمْرَكَة المجتمع الإسرائيلي"، للإشارة إلى تبني الإسرائيليين قيماً أميركية ليبرالية نفعية تقوم على المصلحة الذاتية، مما يدفع الناخبين إلى التصويت لحزب "قِطاعيّ" (sectoral) على حساب المصلحة العامّة. يترافق ذلك أيضاً مع شخصنة السياسة. ناخبة إسرائيلية تقترع في مدينة رهط بالنقب. (أ ف ب) يكشف هذا المصطلح حالة أميركا اليوم، لا حالة إسرائيل وحسب. والترابط موجود على أي حال. حين سافر المفكّر الفرنسي ألكسي دو توكفيل إلى الولايات المتحدة بين 1831 و1832، عاد بملاحظات عدة، من بينها مهارة الأميركيين في تأسيس مجموعات تطوعية على عكس الفرنسيين، إذ لم يكن بالإمكان العثور على "عشرة أشخاص يعملون على مهمة مشتركة". منذ ذلك الحين، ارتفع غياب الثقة المتبادل في المجتمع الأميركي، ويبدو أن الولايات المتحدة تساهم في تصدير ظاهرة الاستقطاب إلى إسرائيل وغيرها. عزّز بروز نجمي بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب الاصطفافات الشخصية، والتي تجعل حتى فعلَ المعارضة شبه عبثي، لأنه ينحصر بشكل كبير في انتقاد الشخص مع تجاهل نسبي لتقديم بدائل سياسية واضحة. لكنّ النظام الرئاسيّ في أميركا قادر على ضبط الأمور نسبياً، وإن كانت البلاد تعاني من إغلاقات حكومية متكررة أيضاً. مع ذلك، تظلّ آثار الاستقطاب واضحة، أكان في الولايات المتحدة أو إسرائيل أو سواهما. ولغة "سرقة الانتخابات" أضحت شائعة بين واشنطن وتل أبيب. انتهت أمس الانتخابات التشريعية السادسة والعشرين للكنيست. العدّ العكسي للانتخابات السابعة والعشرين ربما انطلق.