"تمرُّد المعنى على الحرف – تجربة عرفانية مُستقاة من نهج السدها"، و"معراج تسامي الهمم - وصية أب... من القلب إلى القلب"، للكاتب اللبناني رائد سامي شهيّب، عنوانان لكتابين* - أو كُتيّبين – يبدوان كتوأمين، بحجمهما وغلافيهما، وربّما في الروحانية المهيمنة عليهما. في "معراج تسامي الهمم - وصية أب... من القلب إلى القلب"، العبارات منتقاة بعناية لتنقل صورة الذات المتحررة من ثقل المادة، لا سيّما أنّ الكاتب يغوص في سر الوجود ساعيًا لفهم حقيقة الذات الإنسانيّة ومصدرها ومآلها، منتهيًا إلى خلاصة يبدو مؤمنًا بها إيمانًا عميقًا، هي وحدة الخليقة مع الخالق، واعتبار كلّ ما نمرّ به ونلمسه في رحلتنا الوجوديّة، جزءًا كامنًا في نسيج الوجود، لا ينفصل عنه؛ مستندًا في تحليله إلى ما اختبره من الرياضات الروحيّة التي تلقّاها من السِّدها (Siddha). يتضمن الكتاب مجموعة من التأمّلات الفلسفية التي يقوم من خلالها شهيّب بتحليل الفكر البشري، محاولًا أن يجد الأجوبة الصحيحة لكلّ ما يعتمل في النفس البشريّة وما يصدر عنها من أفعال، إرادية كانت أو غير إرادية، والهدف منها أو الغاية، محاولًا تحويل انتباهنا الى السبل التي علينا أن نسلكها إن شئنا أن نعي حقيقة وجودنا وسموّ رسالتنا الإنسانيّة التي ميّزَنا بها الخالق عن سائر المخلوقات، موضحًا حقيقة بعض تصرّفاتنا وأبعادها في لاوعينا. الكتاب غنيّ بالعناوين الداخليّة التي تلخّص العديد من الأفكار الفلسفيّة العميقة وتشرحها بإيجازٍ ومن دون تعقيد، ما يقرّبها الى ذهن القارئ العادي؛ من ذلك، توقّفه عند نظرية أو مصطلح "نفق الواقع" لتيموثي ليري، والذي وسّعه لاحقًا الكاتب والمفكّر روبرت أنتون ويلسون، ومفاده "أننا لا نرى الواقع كما هو، بل كما يمر إلينا عبر فلاترنا الخاصّة... ليس لأن الواقع يتبدّل، بل لأن طريقة التقاطه وتفسيره هي التي تختلف" (ص 35). وفي الفصل المعنون "همة الأولياء" (ص 51) نجد توصيفًا دقيقًا لسيَر قديسين تجري من خلالهم عجائب شفاء لا يمكن تفسيرها علميًّا شارحًا ما يجري بواسطتهم، وكأنّه ارتفع بفكره إلى موضعٍ مكّنه من كشف حقيقتهم والسر الكامن خلف ما يجترحونه من أعاجيب، موضحًا: "لا تكون أفعالهم نتيجة تخطيط أو سعي لإثبات، بل انسيابًا طبيعيًّا لفيض أعلى، يمر من خلالهم من دون أن يُنسب إليهم" (ص 52). "معراج تسامي الهمم" كتابٌ رؤيوي، يتخطى الفكرُ فيه المادة مرتقيًا الى حيث يليق بالروح أن تحلّق، فتتحرك بحرية وتنهض من بين ركام المادة وتنسجم مع "نَفَس الوجود"، "فلا يعود [الكائن] "فاعلًا" يسعى الى إثبات ذاته، بل يغدو موضع عبور لحركة أوسع، تُنجَز من خلاله" (ص 53 و 58). يختتم شهيّب تأمّلاته بحديث مباشر يوجهه إلى ابنه بأسلوب أكثر تبسيطًا، مسديًا له عددًا من النصائح التي جاءت نتيجة هذا التأمُّل الروحي العميق، مؤكّدًا أنّ الحياة "أقصر من أن نبدّدها في انتصارات وهمية..." كما يشدد على أهمية عدم التعلق بشيء، لأن "التعلق، مهما بدا نبيلًا، يقتل نبض الحياة" (ص 66)، منبّهًا الى ضرورة العودة الى الينابيع، إلى ذواتنا الخفيّة وطفولتنا النقية، إلى الإيمان الحقيقي الذي "لا يُزهر إلا في تربة الصدق والانكشاف، والصبر والتواضع، ولا يكتمل إلا بالرضى والتسليم" (ص 69). كانت هذه خلاصة "معراج تسامي الهمم"، فما تراه يحمل لنا "تمرّد المعنى على الحرف" من أبعاد ورسائل؟!