تطمينات جديدة ينقلها رئيس مجلس النواب نبيه بري عن تعهّد "حزب الله" بعدم الدخول في حرب إسناد لإيران، تقابلها معلومات عن إعادة تسلّح الحزب بأموال إيرانية واستعداده لمواجهة محتملة مع إسرائيل. وبين الوعد السياسي والتحضيرات العسكرية، يتصاعد القلق الحكومي من تكرار سيناريو آذار الماضي، حين لم يصمد تعهّد مماثل أمام قرار الانخراط في الحرب. فقد كشفت صحيفة "الشرق الأوسط" أن "حزب الله" أبلغ بري مجدداً أنه لن يتدخل عسكرياً إذا تعرّضت إيران لهجوم أميركي، وأن رئيس المجلس نقل هذا التطمين إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون. كما نقلت عن مصادر نيابية أن نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده أبلغ نواباً من الثنائي الشيعي أن طهران لن تطلب مساعدة الحزب، نظراً إلى اختلال موازين القوى مع إسرائيل وإدراكها دقة الوضع اللبناني. لكن اللافت في تقرير الصحيفة أنه كشف أيضاً عن تباينات فعلية بين بري و"حزب الله"، إذ إن رئيس المجلس يعارض انخراط الحزب عسكرياً في إسناد غزة وإيران، ويتمسّك باستمرار الحكومة وحماية السلم الأهلي، ويدعم مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. كما انتقد عدم استجابة الحزب للدعوات إلى الانسحاب من تلال علي الطاهر لتسهيل انتشار الجيش اللبناني. وهذا التباين يطرح سؤالاً أساسياً: هل ينقل بري قراراً نهائياً يلتزم به الحزب، أم يحاول تحييد لبنان عن حرب لا يملك وحده ضمان عدم وقوعها؟ في هذا السياق، يؤكد مصدر وزاري رفيع لـ"ليبانون ديبايت" أن "لا ثقة بما نقله بري من تطمينات"، مشيراً إلى أن الحزب سبق أن قدّم تعهّدات مماثلة ولم يلتزم بها، وخصوصاً عند اندلاع الحرب على إيران في آذار الماضي، حين أطلق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل رغم تعهّده السابق بعدم التدخل. ويشدّد المصدر على أن المشكلة ليست في بري، بل في الجهة التي تملك القرار العسكري الفعلي، معتبراً أن "قرار حزب الله في إيران وليس في لبنان، وبالتالي فإن الحزب ينفّذ ما تقرّره طهران"، مهما كانت التطمينات التي يقدّمها للداخل اللبناني. ويضيف المصدر أن استمرار الحزب في إعادة التسلّح يشكّل، في تقديره، دليلاً على الاستعداد للانخراط في الحرب، وليس مجرد إجراء دفاعي منفصل عن التطورات الإقليمية. وتأتي هذه المواقف بعد تقرير لوكالة "رويترز" كشف أن الحزب أمضى الأشهر الثلاثة الماضية في التحضير لاحتمال تجدد القتال مع إسرائيل، وحصل على عشرات ملايين الدولارات من إيران لتعزيز قدراته، مع التركيز على تأمين المتفجرات وإنتاج المسيّرات الهجومية وإعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة التي تضرّرت في المعارك السابقة. وفي المقابل، ردّ الحزب على أسئلة الوكالة بالتأكيد أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية يجعل مقاومته حقاً مشروعاً، نافياً انهيار منظومة القيادة والسيطرة لديه. وعلى الرغم من أن الاستعداد العسكري لا يثبت وحده اتخاذ قرار بالحرب، فإن الجمع بين التمويل الإيراني والتجربة السابقة والتطمينات المتجددة يطرح إشكالية تتجاوز موقف الحزب المعلن: ما قيمة التعهّد بعدم التدخل إذا كانت الظروف الميدانية أو الحسابات الإيرانية قادرة على تغييره؟ فلبنان، الذي لا يزال يواجه الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وتداعيات النزوح والدمار، لا يحتمل أن يتحول مجدداً إلى ساحة حرب إقليمية. والدفاع عن أراضيه حق وطني، لكن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون خاضعاً لمؤسسات الدولة، لا لتفاهمات تتبدل مع تطورات المواجهة بين واشنطن وطهران. وبين بري الذي يسعى إلى إبعاد لبنان عن الحرب، وحزب يواصل إعادة بناء قدراته العسكرية بتمويل إيراني، يبقى السؤال الذي يختصر القلق الحكومي: هل يملك "حزب الله" قرار عدم الدخول في الحرب، أم أن ما يملكه اليوم مجرد وعد قابل للسقوط عند أول قرار يصدر من طهران؟