فلتت البرازيل بمعجزة من السقوط في دائرة نفوذ عقيدة "دونرو"، التي بموجبها منحت الولايات المتحدة نفسها حق الهيمنة على نصف الكرة الغربي. في سلسلة من الانتخابات في القارة اللاتينية، فاز ممثلو أقصى اليمين المدعومون من الرئيس الأميركي ترامب، فيما يشبه عملية "كوندور سلمية"، لم تعد تحتاج انقلابات عسكرية وإن كان يحدوها حنين جماهيري إلى زمن الجنرالات. في الأعوام الثلاثة الماضية، كانت الموجة كاسحة ولم يبد أن هناك من يستطيع أن يوقفها، فاز خافيير ميلي في الأرجنتين في العام 2023، ودانيال نوبوا في الإكوادور في انتخابات 2025، وفي العام نفسه فاز رودريغو باز في بوليفيا وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي وناصري عصفورة في هندوراس، وفي العام الجاري فازت كيكو فوميموري في البيرو وفي كولومبيا أزاح رجل الأعمال اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا سلفه اليساري غوستافو بيترو. في كانون الثاني/ يناير من هذا العام تدخلت واشنطن عسكرياً في فنزويلا واختطفت الرئيس نيكولاس مادورو وفرضت حصاراً بحرياً قاسياً على كوبا بغية إسقاط النظام الشيوعي هناك. في الباراغوي، بشكل تقليدي، يحكم اليمين المحافظ المقرب من واشنطن، أما في السلفادور فالتعاون بين الرئيس نايب بوكيلي وواشنطن وصل مستويات استثنائية، حيث فتح الرئيس اليميني أبواب سجون بلاده لاحتجاز المهاجرين المرحلين من الولايات المتحدة، ومن ضمنهم مجرمون خطرون وأعضاء عصابات عابرة للحدود. كادت البرازيل أن تلحق بحدود الحظيرة الأميركية، لولا أن قلب اليساري لولا دي سيلفا في الجولة الثانية من الانتخابات نتائج الجولة الأولى، بفارق مئوي ضئيل، لكن بأكثر من أربعة ملايين صوت، ليزيح بولسونارو الابن، نجل غريمه السابق المعروف بلقب ترامب الاستوائي. يحتفي اليسار حول العالم بالفوز البرازيلي، ومن بينه سكان منطقتنا الذين ليس بوسعهم سوى متابعة الانتخابات البعيدة بحماسة بوصفها مباراة كرة قدم كوكبية بين اليمين واليسار. تربط التحليلات الإخبارية بين نتائج الانتخابات البرازيلية، والانتخابات العامة الصربية، حيث أزاحت "قائمة الطلاب" حزب الرئيس ألكسندر فوتشيتش في الانتخابات التشريعية الصربية بعد 14 عاماً في السلطة. حيث يعتبر الرئيس الصربي اليميني المحافظ الذي حاول إمساك العصا من المنتصف بين روسيا والغرب، مدعوماً من ترامب. هكذا يبدو، وكأن الرئيس الأميركي وقد حظي بهزيمتين في يوم واحد، واحدة في الفناء الخلفي لبلاده والأخرى في بلد أوروبي خاضت ضده الولايات المتحدة حرباً في الماضي القريب. وفي تل أبيب تشير استطلاعات الرأي في اللحظة الأخيرة إلى هزيمة متوقعة لنتنياهو، الذي أعلن ترامب عن دعمه في الانتخابات، وذلك لصالح تقدم تحالف المعارضة، وهو تقدم لا يضمن لها تشكيل الحكومة. تبدو تلك النتائج وكأنها نذير شؤم لانتخابات الكونغرس النصفية التي ستجري يوم الثلاثاء المقبل، حيث يتوقع أن يفقد الجمهوريون سيطرتهم على مجلس النواب على الأقل، أو قد ينجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلس الشيوخ أيضاً. يبدو وكأن الموجة العالية لليمين السلطوي العالمي، بقيادة "ماغا"، قد فقدت زخمها، لصالح نجاح اليسار أو التيار الديمقراطي في استعادة بعض التخوم السياسية. ولعل هذا صحيح إلى حد ما. لكن مجاز "الموجة" برغم من جاذبيته في عناوين الأخبار والتحليلات الأكاديمية قد يكون مضللاً. صحيح ثمة حرب باردة جديدة، تدور على خطوط انقسام اليمين واليسار العالميين، لكن نتائج الانتخابات لا تعكس بالضرورة ذلك الصدام الأيديولوجي الكوكبي، بقدر ما يعكس صورة معقدة تتداخل فيها التفاصيل المحلية مع السياق العالمي. يتأرجح ناخبو القارة اللاتينية بين اليسار واليمين، في تصويتاتهم في دورات شبه دورية منذ عودة بلدانهم إلى الديمقراطية. في كل من تشيلي وكولومبيا، على وجه التحديد، يجب تذكر أن صعود اليسار في الانتخابات كان استثنائياً، وأن التصويت الأخير لصالح اليمين كان عودة إلى التقاليد السياسية للبلدين. ويسري الأمر نفسه على بيرو ومعظم دول أمريكا الوسطى. وعلى الأرجح لم يلعب "تأثير ترامب" دوراً جوهرياً في نتائج الانتخابات في القارة. وفيما يخص الحالة الصربية، فليست هذه المرة الأولى التي تسقط فيها احتجاجات الطلبة رئيساً سلطوياً في البلاد، حيث أرغمت الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت في جامعة بلغراد العام 1998، الرئيس سلوبودان ميلوشيفيتش على الإقرار بهزيمته في انتخابات العام 2000. لا يعيد التاريخ نفسه هناك، لكن ثمة تقاليد احتجاجية في الذاكرة الحية للصرب، وتململ واسع من فساد الحزب الحاكم. سيكون من المضحك اعتبار أي نتيجة للانتخابات الإسرائيلية بمثابة انتصار للديمقراطية، يتفق تحالف المعارضة مع حكومة نتنياهو على كافة الخطوط العريضة فيما يخص الفلسطينيين والتوسع على حساب دول الجوار والحروب الإقليمية. ولا يبدو ترامب خاسراً أيا كانت تشكلية الكنيست.