تكشف مذكرة الغرفة الخامسة في ديوان المحاسبة، برئاسة القاضية زينب حمود، أن معالجة شبكات الإنترنت المنشأة خلافاً للقانون لم تتجاوز، عملياً، بدايتها. فمن أصل نحو ثلاثة آلاف شبكة مخالفة، وفق التقديرات المتاحة، لم يُصرّح سوى بـ107 شبكات، وصدر خمسون أمر أشغال لم يُنفذ منها إلا اثنان جزئياً. لكن المشكلة ليست في تعثر هذه الأوامر وحدها. فالسوق التي تضم أكثر من مليون مشترك بقيت خارج التسجيل الكامل والفوترة والرقابة. والنتيجة، وفق المذكرة: إيرادات عامة غير محصلة بنحو 128.8 مليون دولار سنوياً، وتراجع حصة الوزارة، عبر الشبكة العامة التي تديرها أوجيرو، من نحو 51% عام 2021 إلى ما دون 25% حالياً. وعند وضع ما وثّقته المذكرة في سياق مسار القطاع منذ عام 2017، يظهر فشل أوسع: لم تجمع الدولة في سياسة واحدة مسارات التوسع العام في الألياف، والاستثمار الخاص المنظّم، وإدخال الشبكات المخالفة ومشتركيها إلى السوق النظامية. ثلاثة مسارات كان يفترض أن تتكامل بدأ المسار الأول عام 2017، مع مشروع لتوصيل نحو 1.2 مليون منزل بالألياف الضوئية بكلفة تقارب 300 مليون دولار، وبدأت أوجيرو تنفيذ مرحلته الأولى عام 2018 قبل أن يتعثر. وفي عام 2018، وضع المرسوم 3260، كما عُدّل بالمرسوم 11883/2023، مساراً لاستثمار شركات نقل المعلومات المرخصة في البنية التحتية العائدة إلى الدولة. ولا يعامل هذا الإطار استثمار الـDSP بديلاً من الشبكة العامة: فالشركة التي تمد كوابل الألياف على نفقتها تخصص 51% من شعيرات كل كابل لوزارة الاتصالات، وتتعاقد مع أوجيرو لصيانتها، فيما تحصل الدولة على 25% من الإيرادات. وبذلك كان الاستثمار الخاص يفترض أن يوسّع الشبكة المتاحة للدولة من دون أن تتحمل كامل كلفتها، ويعزز دور أوجيرو، ويولد إيراداً عاماً. أما المسار الثالث، فحدده المرسوم 9458/2022، كما عُدّل بالمرسوم 11883/2023، والقرار 1/544/2023، لإدخال الشبكات المخالفة ومشتركيها في التسجيل والفوترة والرقابة، من دون قطع الخدمة عن الناس: إما مباشرة عبر الوزارة أو أوجيرو، أو عبر أوجيرو وخدمة الـBitstream، أو عبر شركة DSP مرخصة ضمن حقوق الدولة. لو فُعّلت المسارات الثلاثة بالتوازي، لوسّع المشروع العام الشبكة، وأضاف استثمار الـDSP شبكات نفاذ شرعية، وأعاد تنظيم الشبكات المخالفة المشتركين إلى خدمة قانونية مفوترة. هكذا يحصل المواطن على خدمة أفضل، وتستعيد الخزينة إيرادات فورية، وتتراجع الحاجة إلى السوق غير الشرعية. ولا يعني شرح هذا التكامل تبنّي جميع أحكام النصوص، لكن ما دامت نافذة فلا يجوز تركها معلقة من دون تنفيذ أو تعديل وفق الأصول. عندما يصبح الهاتف الثابت بوابة إلزامية للإنترنت حتى المسار الشرعي يضع عائقاً أمام المشترك. فالمادة الثالثة من المرسوم 11883/2023 تجعل، كقاعدة عامة، الاشتراك في الهاتف الثابت شرطاً للحصول على الإنترنت من وزارة الاتصالات/أوجيرو أو عبر شركات مزودي الخدمة ونقل المعلومات. وبذلك يُطلب ممن يريد فايبر قانونياً إنشاء خط ثابت، ولو لم يكن يريد خدمة صوتية، فيما لا تفرض الشبكة المخالفة هذه الخطوة. هذا المنطق لا ينسجم مع تحولات الاستخدام. فقد سجل الاتحاد الدولي للاتصالات نحو 924 ألف اشتراك هاتف ثابت في لبنان عام 2022. وعالمياً، انخفض انتشار الهاتف الثابت من 20 اشتراكاً لكل 100 نسمة عام 2005 إلى 11 عام 2023، فيما تراجعت اشتراكاته بمعدل 2.8% سنوياً خلال السنوات الخمس الأخيرة، مقابل نمو الإنترنت الثابت عريض النطاق بمعدل 5.9%. لذلك ينبغي فصل تعريف مشترك الإنترنت عن الهاتف الثابت، وربطه بهوية موثقة ونقطة خدمة ورقم اشتراك مستقل. الهيئة المنظمة: من عائق المشترك إلى تنظيم السوق عندما يصبح دخول المشترك إلى الشبكة الشرعية أصعب من الحصول على الخدمة عبر شبكة مخالفة، تتحول المسألة إلى خلل في تنظيم السوق: في المنافسة والأسعار وحماية المستهلك وحقوق الدولة. وهنا يأتي دور الهيئة المنظمة للاتصالات: فهي لا تنفذ المراسيم أو تمد الشبكات، لكنها تعد مشاريع المراسيم والأنظمة، وتراقب التراخيص، وتشجع المنافسة وشفافية السوق. وكان على الهيئة أن تضع أمام الوزير، في تقرير تنظيمي، حقيقة أن النصوص النافذة المتعلقة باستثمار الـDSP وحقوق الدولة ومعالجة الشبكات المخالفة لم تتحول إلى واقع تنفيذي، وأن تشرح أثر ذلك في المشترك والمنافسة والخدمة والخزينة، وتوصي بتفعيلها أو إعداد مشروع تعديل لها. أما قرار محدود لنقل بعض المشتركين إلى شبكات مرخصة، فلا يغني عن تفعيل الإطار الذي يربط الشبكة بالمشترك والفاتورة وحق الدولة. فالرقابة التنظيمية لا تقتصر على الملفات المعروضة على الهيئة، بل تشمل رصد عدم تنفيذ النصوص وآثاره على السوق والخزينة. ثم يأتي مشروع الـ325 ألف: توسّع ضروري لا سياسة بديلة في 21 حزيران 2026، وقعت أوجيرو عقود مشروع ل