تنتج كل جماعة بصورة واعية أو لا سردياتها الخاصة والمتعددة في مراحل مختلفة من تاريخها؛ هي تعيد صياغتها وتعديلها في كل مرة يتغير الواقع الذي تعيشه. بهذا المعنى، لا تنفصل السردية عن عملية بناء الهوية، إذ لا تكتفي الجماعة بتحديد ذاتها وماهيتها، بل تصوغ سرداً تفسر من خلاله هذه الذات وهذه الماهية، وتشير إلى أصدقائها وأعدائها، وتعبر عما يهدّد وجودها أو يحميه. وتتحول تدريجاً من روايات قابلة للنقاش إلى منظومات تفسيرية تؤثر في طريقة إدراك الأفراد لأنفسهم ولما يحيط بهم. وهنا، تكتسب السردية وظيفة تتعلق بتماسك الجماعة التي تحتاج إلى معنى مشترك للحفاظ على تماسكها خصوصاً في الصراعات أو الأزمات. وعلى هذا النحو، تبرز سرديات القوة والانتصار بوصفها الأكثر قدرة على إنتاج هذا التماسك، إذ لا يمثل الانتصار مجرد حدث عسكري أو سياسي، إنما يمكنه أن يتحول إلى دليل على القدرة والشرعية، وعلى صحة الخيارات التي اتخذتها الجماعة، بل وعلى استثنائية الجماعة نفسها. ومن الطبيعي أن يترتب على هذا الأمر تضخم الشعور بالقدرة والقوة والشرعية. وقد يؤدي هذا التعظيم إلى تضييق مساحة النقد الذاتي، بحيث لا يجري النظر إلى النقد باعتباره إوالية ضرورية لتصحيح المسار، بل باعتباره تشكيكاً في الجماعة نفسها. ومن هنا يمكن أن يتحول النقد إلى خيانة، وعمالة، وعدم ولاء، وحتى إلى تهديد وجودي. وهكذا تنتقل الجماعة من الدفاع عن فكرة أو موقف إلى الدفاع عن صورة ذاتها. وكلما أصبحت الهوية أكثر التصاقاً بسردية الانتصار، صار الاعتراف بالخطأ والفشل والهزيمة أكثر صعوبة، لأنه لا يعود موجهاً إلى حدث محدد، بل يجري فهمه بوصفه مساساً بالذات الجمعية. وتزداد هذه المسألة تعقيداً عندما تمنح سردية الانتصار صفة دينية أو مقدسة. وعندما تدخل السردية السياسية في المجال الديني لا تعود مجرد تفسير قابل للنقاش، بل تكتسب حصانة رمزية تجعل من مساءلتها مستحيلة. وحين تُستدخل من خلال عملية تنشئة طويلة عبر المدرسة والمؤسسة الدينية والإعلام والبيئة الاجتماعية، فقد تتحول من رواية إلى اعتقاد يصبح هوية تتحول إلى معيار لا للحقيقة فقط بل للولاء أيضاً. في هذه الحالة، يصبح وجود الجماعة مختزلاً في سرديتها. وإذا كانت السردية مقدسة، فإن تهديدها يمكن أن يُفهم تهديداً للوجود نفسه. ولذلك، قد يجري تبرير ممارسات عدوانية كضرورة لحماية هذا الوجود، بحيث يصبح الحفاظ على الجماعة مبرراً خدمة لحمايتها، ويتقدم على مساءلة الوسائل المستخدمة. وهنا، يتحول التنافس السياسي والإيديولوجي من تنافس بين مشاريع ومواقف إلى عداوة بين هويات. ويصبح الآخر لا مجرّد خصم، بل تهديداً ينبغي تحييده أو إلغاؤه أو القضاء عليه. وفي بعض الحالات، لا يعود وجود العدو شرطاً ضرورياً لاستمرار الجماعة، إذ يمكن أن تنتج هذه الأخيرة صورة لعدو محتمل أو متخيل، وتستخدمها للحفاظ على التعبئة الداخلية وعلى التماسك. من جانب آخر، تزداد خطورة سردية الانتصار عندما لا تستند إلى واقعة واضحة وحاسمة، إنما إلى مساحة رمادية تسمح بتأويل الحدث بطرق متعددة. في هذه الحالة، لا يكون الانتصار نتيجة واقعة لا تحتمل التأويل، بل نتيجة عملية سردية تنتقي بعض الوقائع وتهمش أخرى، وتعيد ترتيب الأحداث لتنتج معنى محدداً لها. ولا يعني ذلك أن الحدث لم يقع، أو أن كل عناصر السردية مختلقة، بل تصبح المسافة بين الواقعة وتأويلها كبيرة إلى درجة تسمح بتحويل نتيجة ملتبسة وغير واضحة إلى حقيقة مكتملة. وهنا يصبح السؤال أقلّ تعلّقاً بما حدث فعلاً، وأكثره بمن يمتلك القدرة على تعريف ما حدث. وفي هذا النوع من السرديات، قد تُقدّم الهزيمة العسكرية باعتبارها انتصاراً سياسياً، وإعادة صياغة الخسارة كتضحية ضرورية، وتحويل العجز عن تحقيق الهدف المعلن إلى دليل على الصمود أو القدرة على إفشال أهداف الخصم. وهنا، لا يكون "الانتصار" دائماً حقيقة مادية مكتملة، بل يصبح بناءً انتقائياً يتغذى من واقع ملتبس مفتوح على تأويلات وتفسيرات متعددة. في ما يتعلق بالحالة اللبنانية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب طبيعة الصراع الطويل بين إسرائيل و"حزب الله"، وتعدد القراءات التي أحاطت بالحروب والمواجهات بين الطرفين. في هذه الوضعية، لا يكون معيار النتيجة دائماً واحداً. بتعبير أوضح، قد يرى طرف أن مجرد البقاء يمثل انتصاراً، بينما يرى الآخر في تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية معياراً أوضح للانتصار. تبدأ المشكلة عندما يتوقف الانتصار عن كونه قراءة سياسية لحدث معين، ويتحول إلى عنصر دائم في تكوين الهوية. وهنا، لا يعود الهدف من السردية متمثلاً في تفسير حدث محدد، وإنما في الحفاظ على صورة الجماعة عن نفسها. ومن أجل تحقيق ذلك، يجري انتقاء عناصر القوة، وتضخيم الإنجازات، وعزل العناصر التي يمكن أن تشير إلى الضعف أو الفشل أو الكلفة. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه السردية أن