حين يُراق دم الأبرياء، لا يُمتحن إيمان الضحايا وحدهم، بل يُمتحن ضمير الإنسانية بأسرها. وحين يُروَّع الإنسان في بيته أو أمام كنيسة أو داخل مسجد، لا يكون الاعتداء على جماعة بعينها، بل على حق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة. إن استشهاد الأبرياء في الاعتداء الذي استهدف مشيّعي جنازة في الأردن، وما رافقه من ألم وحزن، يعيد طرح سؤال جوهري: بأي حق يعتدي إنسان على إنسان، وبأي فهم للدين يمكن تبرير قتل الآمنين وترويعهم؟ وأي إيمان هذا الذي يجعل من دم الإنسان رخيصًا، ومن اختلاف العقيدة ذريعة للكراهية والقتل؟ إن الإرهاب، مهما كانت الشعارات التي يرفعها أو المبررات التي يختبئ خلفها، لا يمثل الإسلام ولا المسلمين، ولا يمكن أن يكون تعبيرًا عن رسالة سماوية تدعو إلى الرحمة والعدل وصون النفس البشرية. فالإسلام الذي نعرفه من نصوص القرآن الكريم لا يمنح أحدًا تفويضًا بقتل الأبرياء، ولا يجعل اختلاف الدين سببًا للاعتداء على أبناء الوطن الواحد، ولا يبيح تحويل دور العبادة إلى ساحات للخوف والموت. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). إنها آية تضع حرمة النفس البشرية في منزلة عظيمة، وتؤكد أن الاعتداء على حياة الإنسان ليس شأنًا فرديًا أو طائفيًا، بل جريمة تمس الإنسانية كلها. ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33). فأين يجد الإرهاب في هذه الآية مبررًا لقتل إنسان آمن لمجرد اختلافه في الدين أو الانتماء؟ وأي تأويل يمكن أن يحوّل النهي الإلهي الصريح إلى رخصة للقتل، أو يجعل دم المسيحي أقل حرمة، أو دم المسلم أكثر استحقاقًا للحماية؟ إن القرآن الكريم لا يكتفي بالنهي عن الاعتداء، بل يحدد مبدأ التعامل مع المختلف دينيًا بوضوح. يقول تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8). إنها دعوة صريحة إلى البر والعدل مع الذين لا يعتدون، لا إلى كراهيتهم أو استباحة دمائهم. فكيف يمكن لمن يقتل جاره أو شريكه في الوطن، أو يعتدي على مصلٍّ داخل كنيسة، أن يدّعي أنه ينتصر للدين، فيما النص القرآني يأمر بالعدل والإحسان؟ ويقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: 40). ويجمع النص بين الصوامع والبيع والصلوات والمساجد في سياق حماية دور العبادة. وهذه دلالة أخلاقية عظيمة على أن حماية أماكن العبادة من الهدم والاعتداء تتصل بحماية حق الناس في ممارسة إيمانهم وأداء شعائرهم. فالمسجد ليس هدفًا مشروعًا للإرهاب، والكنيسة ليست هدفًا مشروعًا للإرهاب، والمصلّي الذي يقف بين يدي الله لا يجوز أن يتحول إلى ضحية لكراهية صنعتها عقول مغلقة وقلوب فقدت الرحمة. ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). ولم يقل إن الكرامة حكر على جماعة دون أخرى، أو إن الإنسان يفقد حقه في الحياة لأنه لا ينتمي إلى دين قاتله. إن كرامة الإنسان أصل في الخطاب القرآني، وحرمة دمه لا يجوز أن تخضع لمزاج المتطرفين أو أهوائهم. أما العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فلا ينبغي أن تُختزل في الخوف المتبادل أو الحسابات الطائفية. نحن أبناء وطن واحد، نتقاسم الأرض والذاكرة والأفراح والأحزان، ونقف معًا أمام المرض والفقر والحروب والمصائب. وحين يُصاب أحدنا، لا يجوز أن نسأل أولًا عن طائفته، بل عن وجعه، وحين يُقتل بريء، لا ينبغي أن يكون السؤال عن دينه، بل عن الجريمة التي سلبته حياته وعن العدالة التي يجب أن تنصفه. كلنا مسيحيون حين تُستهدف كنيسة ويُقتل إنسان فيها، وكلنا مسلمون حين يُستهدف مسجد ويُقتل مصلٍّ فيه، وكلنا أبناء وطن واحد حين يُروَّع طفل أو تُفجع أم أو تفقد عائلة أحد أحبائها. هذه ليست دعوة إلى إلغاء الاختلافات الدينية، بل إلى احترامها، وليست خلطًا بين العقائد، بل تأكيد على أن المواطنة والإنسانية تمنعان تحويل الاختلاف إلى عداوة أو القربى الوطنية إلى اقتتال. إن الله الذي يتوجه إليه المسلم في صلاته هو الله الذي يؤمن به المسيحي، وإن اختلفت التعبيرات اللاهوتية والطقوس والتصورات العقائدية بين الديانتين. وليس مطلوبًا من أحد أن يتخلى عن إيمانه حتى يحترم إيمان الآخر، ولا أن يتنازل عن عقيدته حتى يدافع عن حق جاره في الحياة والأمان. يكفي أن ندرك أن الإنسان لا يصبح عدوًا لمجرد أنه يختلف عنا، وأن الله لم يجعل البشر مت