يترصد لبنان بكثير من الاهتمام نتائج انتخابات إسرائيل. وفي الواقع، لا تملك الدولة اللبنانية رهانات أخرى على مخارج فعالة من المأزق. فلا هي قادرة على فرض وقف النار وانسحاب اسرائيل، ولا على السير بنزع سلاح حزب الله. لذلك، تراهن على أن التغيير ربما يأتي من إسرائيل بالانتخابات. ولكن هل هذا الرهان على تغيير في تركيبة السلطة في إسرائيل في محله فعلًا، أي هل يحمل التغيير السياسي في إسرائيل، سواء ببقاء بنيامين نتنياهو أو صعود منافسيه كغادي أيزنكوت أو أي تركيبة حكم أخرى، أي تحول حقيقي في النظرة إلى لبنان؟ المعطيات تؤكد أن الرهان اللبناني على نتائج صندوق الاقتراع الإسرائيلي لن يكون مثمرًا في أي حال، إذ تؤكد العقيدة الأمنية للمؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل أن الأدوار قد تختلف في الشكل والأدوات الميدانية، لكن "المشروع الإسرائيلي" ورسم خرائط النفوذ والردع والسيطرة الأمنية في الجنوب والمنطقة يستند إلى رؤية عابرة للأحزاب. فبينما يعتمد نتنياهو التصعيد واستغلال العقيدة العسكرية لخدمة بقائه السياسي، فإن أيزنكوت، وهو مهندس "عقيدة الضاحية" إبان عمله العسكري، لا يمثل مشروعًا مهادنًا تجاه لبنان أو سلاح حزب الله، بل يقدم نموذجًا آخر للردع وتطبيق الإجراءات الأمنية بصرامة أكبر. في غضون ذلك، تتحرك الدولة اللبنانية عبر رئاسة الجمهورية لحماية ما تبقى من مظلة الاستقرار في الجنوب، من خلال المطالبة باستمرار وجود القوات الدولية "اليونيفيل" أو البحث عن صيغ بديلة بالتعاون مع دول أوروبية لتفادي أي فراغ أمني عند الحدود. غير أن هذه الجهود الدبلوماسية تصطدم بوقائع ميدانية معقدة. فإسرائيل تستمر في رفع سقف الضغوط والاعتداءات متجاوزة الاتفاق المبرم برعاية واشنطن، وتحاول حشر المؤسسة العسكرية اللبنانية في معضلة تطبيق ترتيبات أمنية تناسبها تحت وطأة التهديد. غضب أميركيّ من تسوية ضهر البيدر وفي موازاة الانتظار اللبنانيّ لنتائج الانتخابات الإسرائيليّة، تتّجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تتصاعد الضغوط على السلطة اللبنانيّة لاتّخاذ إجراءاتٍ أكثر تشدّدًا بحقّ حزب الله. وبحسب معلوماتٍ كشفتها مصادر دبلوماسيّة لـِ "المدن"، عبّر الجانب الأميركيّ عن بالغ غضبه من التدخّل السعوديّ، بناءً على رغبة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، لمصلحة التسوية التي أرجأت إحالة ملفّ المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر إلى المجلس العدليّ. ولا يبدو الاعتراض الأميركيّ، وفق هذه المعطيات، محصورًا بتأجيل الإحالة. فالقضيّة باتت إحدى نقاط الاختبار لطريقة تعاطي السلطة اللبنانيّة مع حزب الله، وحدود استعدادها لاتّخاذ إجراءاتٍ قضائيّة وأمنيّة بحقه. ومن هنا، اكتسب قرار مجلس الوزراء التريّث في الإحالة أبعادًا سياسيّة تتجاوز المسار القضائيّ نفسه، بعدما بدا أنّ التسوية الداخليّة لم تلقَ قبولًا أميركيًّا. وتشير المصادر الدبلوماسيّة إلى أنّ واشنطن أبلغت لبنان رغبتها في أن يواصل القضاء ملاحقة المتورّطين من حزب الله في شحنة المتفجّرات، وأن تصدر أحكامٌ بحقّهم، إلى جانب تشديد الملاحقات القضائيّة المرتبطة بالحزب في مجالاتٍ أخرى. وهي مطالب تضع استقلاليّة القضاء والإجراءات القانونيّة أمام اختبارٍ إضافيّ، في ظلّ التداخل بين الضغوط الخارجيّة والانقسامات السياسيّة الداخليّة. وفي السياق نفسه، تلفت المصادر إلى إشادةٍ أميركيّة بموقف وزير العدل عادل نصّار، وتمسّكه بإحالة القضيّة إلى المجلس العدليّ، وإصراره على استكمال الملاحقات. فالملفّ الذي بدأ بضبط شحنةٍ من المتفجّرات بات جزءًا من نزاعٍ أوسع حول المسار المطلوب من الدولة في مواجهة الحزب. عقوبات مرتقبة وضغوط على القرار السياسيّ ولا تقف الضغوط عند حدود القضاء. إذ تكشف المصادر الدبلوماسيّة لـِ "المدن" عن تلويحٍ أميركيّ بحزمة عقوباتٍ قد تطاول شخصيّاتٍ سياسيّة وأمنيّة لبنانيّة، من دون أن تكون محصورةً بحزب الله. وتشمل، بحسب المعلومات، مسؤولين حاليّين وسابقين ما زال بعضهم يمارس أدوارًا سياسيّة. وتسود الأوساط السياسيّة حالٌ من الحذر حيال هذه التسريبات، في ظلّ مخاوف من أن يتحوّل التلويح بالعقوبات إلى وسيلةٍ للضغط على مسؤولين لبنانيّين في ملفّ السلاح، أو في القرارات المرتبطة بملاحقة الحزب. واللافت أنّ واشنطن بدأت، وفق المعطيات، تحميل المستوى السياسيّ مسؤوليّةً مباشرة عن الامتناع عن إصدار أمر عمليّات للجيش اللبنانيّ للتحرّك في الداخل بهدف حصر السلاح. كما تطالب بوضع خطّةٍ متدرّجة وواضحة للتعامل مع الأحداث الأمنيّة المحتملة. وهنا تتّضح طبيعة المعضلة التي تواجه السلطة اللبنانيّة. فالمطلوب لم يعد يقتصر على إعلان الالتزام بحصريّة السلاح، بل بات يتّصل بتحويل هذا الالتزام إلى إجراءاتٍ عمليّة، في وقتٍ يرفع فيه حزب الله نبرة التحذير من مغبّة الاستمرار في الضغوط عليه. وتضع هذه المقاربة المؤسّسة ال