انسحاب "اليونيفيل": نهاية مهمة أم بداية أزمة جديدة؟ المرحلة المقبلة تتطلّب خارطة طريق مشتركة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي مع اقتراب الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، الموعد المحدّد لإنهاء عمليات قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 الصادر عام 2025، تجد الجمهورية اللبنانية والمجتمع الدولي نفسيهما أمام سؤال مصيري يتجاوز مجرّد مغادرة القوات الدولية: من سيضمن سيادة لبنان ووحدة أراضيه وأمنه بعد انتهاء مهمة دولية بدأت منذ ما يقارب خمسة عقود، في وقت لا تزال فيه العديد من الأسباب والظروف التي استدعت انتشار هذه القوات قائمة من دون معالجة جذرية؟ وينصّ القرار على بدء انسحاب منظّم للقوات اعتبارًا من 31 كانون الأول 2026، على أن يُستكمل خلال مهلة لا تتجاوز السنة، مع استمرار بعض المهام المحدودة المرتبطة بالحماية والدعم خلال المرحلة الانتقالية، تليها مرحلة إدارية لتصفية أعمال البعثة. وبالتالي، لا يجوز الخلط بين انتهاء العمليات العسكرية لليونيفيل والمغادرة الفورية لجميع أفراد الأمم المتحدة من الأراضي اللبنانية. القرارات الدولية لا تسقط بانسحاب "اليونيفيل" لا يمكن اعتبار انسحاب "اليونيفيل" دليلا على تحقيق أهداف مهمتها، في ظل استمرار الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية، ووجود تنظيمات مسلّحة خارج سلطة الدولة، وعدم استكمال تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و1680 و1701. فهذه القرارات تتناول سيادة لبنان، ونزع سلاح الميليشيات، وأمن الحدود، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. كما يؤكّد القرار 2790 صراحة أن الوضع في لبنان لا يزال يشكّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ويدعو إلى البحث في ترتيبات تضمن استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب "اليونيفيل". وعليه، فإن انتهاء مهمة دولية لا يعني انتهاء مفاعيل القرارات المرتبطة بها، ولا يعفي الأطراف المعنية من مسؤولياتها والتزاماتها. حصرية السلاح والخوف من الحرب الأهلية تكمن المعضلة الأخطر داخل الدولة اللبنانية نفسها، حيث تؤكّد السلطات الدستورية التزامها بحصرية السلاح بيد الدولة، في حين حذّر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أن المواجهة العسكرية المباشرة لنزع سلاح "حزب الله" قد تؤدّي إلى حرب أهلية، وسط مخاوف أوسع من احتمال تعرّض وحدة الجيش اللبناني للاهتزاز أو الانقسام. ولا يمكن الاستخفاف بهذه المخاوف، خصوصًا في ضوء التجارب اللبنانية الأليمة، إلا أنها تطرح سؤالا جوهريًّا لا يجوز تجاهله: كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تنفّذ مسؤولياتها الدستورية إذا كان فرض سلطتها الشرعية قد يهدّد مؤسساتها نفسها؟ إن خطر الحرب الأهلية يجب أن يؤخذ على محمل الجدّ، لكنه لا يمكن أن يتحوّل إلى مبرّر دائم لاستمرار وجود تنظيمات مسلّحة خارج سلطة الدولة. وفي المقابل، فإن المطالب الدولية بنزع السلاح يجب أن تترافق مع ترتيبات سياسية ومؤسساتية وأمنية جدّية، تتيح الانتقال السلمي نحو استعادة الدولة سلطتها الكاملة. الفصل السابع ومسؤوليات مجلس الأمن الدولي يمنح الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيّما المواد 39 و41 و42، مجلس الأمن صلاحيات لمعالجة التهديدات التي تطال السلم والأمن الدوليين، بدءًا من التدابير غير العسكرية وصولا إلى إجراءات إنفاذ تتطلّب تفويضًا صريحًا من المجلس. غير أن القرارات الدولية القائمة لا تشكّل بحدّ ذاتها تفويضًا تلقائيًّا لتدخّل عسكري دولي جديد في لبنان. ومن هنا، يبرز السؤال حول ضرورة أن يبحث مجلس الأمن في اتخاذ تدابير إضافية، تشمل المراقبة الدولية والتحقّق وتقديم المساعدة، بما يدعم تنفيذ قراراته، ويحترم السيادة اللبنانية، ويحمي حياة المدنيين. خطة عملية لما بعد "اليونيفيل": من القرارات إلى التنفيذ إن المرحلة المقبلة تتطلّب خارطة طريق مشتركة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، تقوم على خمس أولويات أساسية: أولا: مبادرة لبنانية رسمية أمام مجلس الأمن الدولي. تتقدّم الحكومة اللبنانية بطلب لوضع إطار شامل لمتابعة تنفيذ القرارات 1559 و1680 و1701 بعد انسحاب "اليونيفيل"، يتضمّن آليات تقييم دورية وتحديدًا واضحًا للمسؤوليات والالتزامات. ثانيًا: إنشاء آلية دولية للمراقبة والتحقّق. بموافقة الدولة اللبنانية وضمن تفويض قانوني مناسب، تتولّى هذه الآلية توثيق الانتهاكات، ودعم قنوات التواصل بين الأطراف المعنية، وتقديم تقارير منتظمة إلى مجلس الأمن، بما يساهم في منع نشوء فراغ أمني خلال المرحلة الانتقالية. ثالثًا: اعتماد خطة وطنية تدريجية لحصرية السلاح بيد الدولة. تضع المؤسسات الدستورية اللبنانية جدولا زمنيًّا واقعيًّا لإخضاع السلاح غير الشرعي وجميع القدرات العسكرية لسلطة الدولة، بالتوازي مع حوار سياسي وضمانات أمنية مناسبة وإجراءات تحافظ على وحدة الجيش اللبنا