لا يزال لبنان الرسميّ يبحث عن صيغةٍ تُجنّبه الفراغ الأمنيّ الذي قد يخلّفه انسحاب القوّات الدوليّة العاملة في الجنوب، "اليونيفيل"، في مرحلةٍ تبدو فيها المنطقة مقبلةً على احتمالاتٍ أشدّ خطورة. فالدولة اللبنانيّة، التي لم تتمكّن بعد من فرض سيادتها على كامل أراضيها، تجد نفسها أمام استحقاقين متلازمين: ضمان استمرار الحضور الدوليّ في الجنوب، وإيجاد مخرجٍ سياسيّ لملفّ سلاح حزب الله. وفي هذا التوقيت، جاءت زيارة وزيرة الخارجيّة والدفاع الإيرلنديّة هيلين ماكنتي لبيروت، لتعيد إلى الواجهة النقاش حول القوّة الأوروبيّة البديلة، وكذلك التجربة الإيرلنديّة التي سبق أن استند إليها طرحٌ بريطانيّ لمعالجة مسألة السلاح. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ النموذج القائم على التفاوض والتدرّج وبناء الضمانات يُستحضر في لحظةٍ تسير فيها الوقائع اللبنانيّة بالاتّجاه المعاكس. فالدولة تتعرّض لضغوطٍ لاتّخاذ إجراءاتٍ أكثر تشدّدًا، فيما يرفع حزب الله نبرة التحدّي، محذّرًا من انفجارٍ داخليّ. وبين المقاربتين، تبدو التسوية أبعد من أن تتحوّل إلى خيارٍ عمليّ. زيارة إيرلنديّة تعيد طرح تجربة السلاح في لقائه الوزيرة الإيرلنديّة، أبلغ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ضيفته رغبة لبنان في استمرار مهمّات "اليونيفيل" خلال السنة المقبلة المحدّدة لانسحابها بموجب قرار مجلس الأمن. كما أبدى استعداد لبنان للترحيب بقوّةٍ أوروبيّة بديلة، بالتنسيق مع الاتّحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة، تفاديًا لأيّ فراغٍ أمنيّ في الجنوب. وشدّد على أهميّة الدعم الدوليّ للجيش اللبنانيّ، في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة وعدم التزام إسرائيل بالاتّفاق الذي جرى التوصّل إليه في واشنطن. من جهتها، أكّدت ماكنتي استمرار دعم بلادها للبنان ومشاركتها في عمليّات حفظ السلام. لكنّ الزيارة تستعيد، في خلفيّتها السياسيّة، نقاشًا مختلفًا، يتعلّق بإمكانيّة الاستفادة من التجربة الإيرلنديّة في التعامل مع سلاح حزب الله، وفق طرحٍ بريطانيّ سبق تداوله. وهي مقاربةٌ لا تفترض انتزاع السلاح بالقوّة، بل إدراجه ضمن مسارٍ سياسيّ أوسع. فقد شهدت إيرلندا الشماليّة انتقالًا تدريجيًّا من العمل المسلّح إلى المشاركة السياسيّة، تُوّج بـ"اتّفاق الجمعة العظيمة" في العام 1998. ولم يكن تفكيك سلاح الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ شرطًا سابقًا للتسوية، بل نتيجةً لمسارٍ طويل من التفاوض، وتقاسم السلطة، والضمانات الدستوريّة والأمنيّة. واستمرّ هذا المسار حتّى العام 2005، حين أُعلن اكتمال تفكيك الترسانة بإشراف لجنةٍ دوليّة مستقلّة. ويستند الطرح البريطانيّ إلى هذه الفكرة تحديدًا، أي تحويل القوّة المسلّحة إلى قوّةٍ سياسيّة تعمل داخل المؤسّسات، ضمن ضماناتٍ تجعل العمل السياسيّ بديلًا من السلاح. لكنّ استحضار التجربة شيء، وتوافر شروط تطبيقها في لبنان شيءٌ آخر. مصادر نيابيّة: النموذج لم يدخل النقاش الجدّيّ في هذا الإطار، تشير مصادر نيابيّة لـ"المدن" إلى أنّ التجربة الإيرلنديّة ليست جديدةً على التداول السياسيّ اللبنانيّ، إذ سبق طرحها، لكن من دون أن تخضع لنقاشٍ معمّق، أو أن تُعتمد خيارًا فعليًّا لمعالجة ملفّ سلاح حزب الله. وتلفت المصادر إلى أنّ هذه المقاربة لم تُطرح داخل الحكومة، ولم تدخل النقاش العام بشأن آليّات سحب السلاح، كما لم يجرِ تبنّيها ورقةً تفاوضيّة. وهو ما يعكس، بحسب المصادر، غياب التعامل الجدّيّ معها، على الرغم من استحضارها في بعض الطروحات الخارجيّة. وتعتبر المصادر أنّ الحديث عن استنساخ التجربة الإيرلنديّة، أو أيّ تجربةٍ أخرى، ينطوي على اختزالٍ للواقع اللبنانيّ. فالنزاع في إيرلندا الشماليّة له خلفيّاته السياسيّة والاجتماعيّة الخاصّة، بينما يرتبط سلاح حزب الله بصراعٍ إقليميّ يتجاوز الحدود اللبنانيّة، وبالعلاقة مع إيران وإسرائيل، فضلًا عن تعقيدات النظام الطائفيّ وضعف مؤسّسات الدولة. وتذهب مصادر نيابيّة أخرى، تحدّثت إلى "المدن"، إلى التشكيك في جدوى هذه المقاربة في الظروف الراهنة. فالتجربة الإيرلنديّة استلزمت سنواتٍ طويلة من الانتقال السلميّ والتفاوض، فيما لا يبدو أنّ لبنان يمتلك ترف الوقت، في ظلّ الضغوط الأميركيّة المتصاعدة والتهديدات الإسرائيليّة، وإصرار حزب الله على عدم الدخول في حوارٍ بشأن سلاحه. وتكتسب ملاحظات المصادر النيابيّة أهميّةً إضافيّة في ضوء المؤشّرات إلى تبدّل آليّة التعاطي مع حزب الله. فمن قضيّة المتفجّرات إلى المسارات الماليّة ومصنع الأدوية، تتّسع دائرة الإجراءات المطلوب من الدولة اللبنانيّة التشّدّد فيها، بما يشمل ملاحقة مسارات تهريب الأسلحة، والتدقيق في مصادر التمويل التي قد يستفيد منها الحزب، سواء عبر الأنشطة التجاريّة أو غيرها. ولا ينفصل ذلك عن تجديد التلويح بفرض عقوباتٍ على مسؤولين لبنانيّين، خصوصًا بعد جلسة التفاوض العسكريّ الأخيرة