خرج بنيامين نتنياهو من الانتخابات الإسرائيلية محتفظاً بصدارة حزبه، لكنه بات، وفق التقديرات الأولية، زعيماً لمعسكر فقد غالبيته البرلمانية. في المقابل، تقدّم غادي آيزنكوت وحلفاؤه على الائتلاف الحاكم، من دون امتلاك المقاعد الكافية لتشكيل حكومة. وبين المعسكرين، حققت القوائم العربية قفزة لافتة وضعتها في قلب الحسابات السياسية المقبلة. هكذا رسمت استطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع، مساء الثلاثاء، مشهداً إسرائيلياً جديداً تتراجع فيه قوة نتنياهو، وتتقدّم المعارضة من دون أن تضمن السلطة، فيما يكتسب التمثيل العربي وزناً قد يكون حاسماً في تحديد هوية الحكومة المقبلة. ومنحت تقديرات القنوات الإسرائيلية 11 و12 و13 معسكر آيزنكوت ما بين 52 و53 مقعداً، مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، فيما حصلت القوائم العربية على 17 إلى 18 مقعداً، من أصل 120 في الكنيست. وبذلك، بقي المعسكران دون عتبة المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بالأكثرية. وتبقى الأرقام تقديرات لاستطلاعات الخروج، ريثما يتقدم فرز الأصوات. وشهدت الانتخابات إقبالاً استثنائياً، إذ بلغت نسبة المشاركة 77.7 في المئة حتى العاشرة مساءً، وهي الأعلى منذ انتخابات عام 1999، في مؤشر إلى حجم الاستقطاب السياسي وأهمية الاقتراع بالنسبة إلى الناخبين. زعيم حزب يشار غادي آيزنكوت وزوجته حنّة يدليان بصوتيهما في مركز اقتراع بمدينة هرتسيليا في إسرائيل، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) تحمل هذه النتائج، إذا تأكدت، انتكاسة لنتنياهو وائتلافه الذي امتلك 68 مقعداً في الكنيست السابق. فعلى رغم احتفاظ "الليكود" بموقع الحزب الأكبر، متقدماً على حزب "يشار" بقيادة آيزنكوت، لم تنجح قوة الحزب في حماية الأكثرية التي استند إليها رئيس الوزراء لإدارة الحكم. وتكتسب النتيجة أهميتها من الظروف التي جرت فيها الانتخابات، وهي الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان وإيران. فقد سعى نتنياهو إلى تحويل إنجازاته العسكرية إلى تفويض سياسي جديد، لكنه واجه معارضة حمّلته مسؤولية الإخفاقات الأمنية والانقسامات الداخلية، ولا سيما الخلاف بشأن تجنيد الحريديم والتعديلات القضائية. أما آيزنكوت، الذي برز منافساً رئيسياً لنتنياهو، فنجح مع حلفائه في تحقيق تقدم انتخابي، لكنه يواجه صعوبة جمع أطراف المعارضة المختلفة سياسياً حول حكومة واحدة. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل حديثه إلى وسائل الإعلام بعد الإدلاء بصوته في مركز اقتراع بالقدس، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (رويترز) تبرز القوائم العربية بوصفها أحد أبرز الرابحين من الانتخابات. فقد أظهرت التقديرات حصول القائمة المشتركة على 10 إلى 11 مقعداً، والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس على سبعة مقاعد، ما يرفع التمثيل العربي إلى مستوى يمنحه تأثيراً كبيراً في موازين الكنيست. وجاء هذا التقدم مدفوعاً بإقبال انتخابي استثنائي، إذ بلغت نسبة المشاركة لدى العرب في إسرائيل 80 في المئة، في مؤشر إلى التعبئة الواسعة داخل المجتمع العربي والرغبة في التأثير في مستقبل الحكم. رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين (وسط الصورة) وأعضاء من القائمة يحتفلون بإعلان نتائج استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، في الناصرة بإسرائيل، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) لكن هذه القوة العددية تطرح مأزقاً سياسياً أمام آيزنكوت. فتشكيل حكومة بديلة قد يتطلب الاستناد إلى دعم عربي مباشر أو من خارج الائتلاف، وهو خيار تصطدم إمكاناته بمواقف بعض حلفائه، وخصوصاً أفيغدور ليبرمان، الذي رفض خلال الحملة الانتخابية التعاون مع الأحزاب العربية. ومن شأن هذا التعقيد أن يمنح نتنياهو فرصة للبقاء في السلطة، ولو على رأس حكومة تصريف أعمال، ما دامت المعارضة عاجزة عن الاتفاق على ائتلاف بديل. وتكشف النتائج أيضاً حدود التحول السياسي داخل إسرائيل. فالتقدم الذي حققه معسكر آيزنكوت يعكس اعتراضاً على إدارة نتنياهو للحكم والحرب، لكنه لا يعني بالضرورة انقلاباً في التوجهات الأمنية أو في السياسات المتعلقة بالفلسطينيين. ذلك أن الأحزاب المناهضة لنتنياهو تضم قوى يمينية ووسطية ويسارية تختلف في ملفات جوهرية. وعليه، تبدو إسرائيل أمام مرحلة مفاوضات قد تكون طويلة ومعقدة. فقد تراجعت قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بالحكم وفق الصيغة السابقة، فيما لم تتبلور بعد أكثرية قادرة على إزاحته. والخلاصة السياسية التي أفرزتها ليلة الانتخابات أن نتنياهو لم يعد يملك أكثرية مضمونة، وآيزنكوت لم يضمن خلافته، فيما بات تجاهل الوزن البرلماني العربي أصعب من أي وقت مضى.