في ظل ما يشهده العالم العربي من حروب وأزمات وتحولات عميقة، من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى السودان، ومن اليمن إلى العراق، ومن المغرب العربي إلى دول الخليج، يواصل "مهرجان الفيلم الفرنسي العربي" في نوازي لو سيك في فرنسا، استكشاف السينما العربية المعاصرة. ويحتفي هذا العام، في دورته الخامسة عشرة، بمصر، حيث نشأت واحدة من أهم الصناعات السينمائية العربية. ويضم برنامجه أيضًا مجموعة واسعة من أفلام بلدان المنطقة. وفي هذا السياق، يعود مهرجان الفيلم الفرنسي العربي في نوازي لو سيك من 6 إلى 17 نوفمبر 2026. يهدف المهرجان إلى توفير مساحة لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تمنح السينمائيين العرب مساحة لرواية حكاياتهم بأنفسهم ومشاركة وجهات نظرهم ورؤيتهم الخاصة وسط روايات سائدة كثيرًا ما تتجاهلها. وقالت وئام برهومة، نائبة رئيس بلدية نوازي لو سيك المكلّفة بتطوير ونشر الثقافة، وحفظ الذاكرة الجماعية، والتعليم العام: "لا يقتصر هذا المهرجان على عرض أفلام آتية من منطقة العالم العربي. إنه مهرجان مقاومة يحمل رسالة، ويسهم في نشر الثقافة ونقل الذاكرة الجماعية إلى الأجيال الجديدة وإتاحة التعلّم للجميع خارج التعليم النظامي". لا يرى المهرجان نفسه مجرد مساحة للتبادل الثقافي بين ضفتي البحر المتوسط، فالاهتمام بالعالم العربي من داخل فرنسا يتجاوز الفضول تجاه ثقافة مختلفة أو البحث عما يبدو غريبًا فيها؛ إنه اهتمام بتاريخ مشترك يجمعنا. يرتبط تاريخ الشرق بتاريخ الغرب ارتباطًا وثيقًا، نتيجة التواصل المستمر بينهما على مدى قرون، وكذلك نتيجة الاستعمار الذي لا تزال آثاره السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية تؤثر في العلاقات بين الضفتين. ومن ثم، فإن مشاهدة السينما العربية تعني أيضًا تأمل تاريخنا، والتساؤل عن التصورات التي بنيناها عن "الآخر". وتعني أيضًا تقبل حقيقة أن السردية لم تعد حكرًا الغرب، بل يمكن أن تروا بأصوات من عاشوا الأحداث بالفعل وأسهموا في صنعها. يواصل المهرجان مسيرته برفقة راعيه الفخري الوفي، كوستا غافراس، أحد أبرز رموز السينما الملتزمة، الذي يضع القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية في صميم السرد السينمائي. ويستضيف أيضًا الكاتبة ورسامة القصص المصورة المصرية دينا محمد، التي يُعرض عملها «شبيك لبيك — رغباتك أوامر» ضمن فعاليات المهرجان. وقد حصد هذا العمل جائزة أفضل رواية مصورة والجائزة الكبرى لمهرجان كايرو كوميكس عام 2017. ويتناول إبداعها قضايا الذاكرة والمجتمع والتمثيل، فيتقاطع مع الموضوعات التي يطرحها المهرجان، ويوسّع الحوار بين السينما والأدب والفنون البصرية. كوستا غافراس راعيًا فخريًا.. ودينا محمد ضيفة المهرجان تمثل هذه الدورة أيضًا مرحلة جديدة في الروابط بين السينمات العربية في فرنسا والجزائر. إذ يعلن مهرجان الفيلم الفرنسي العربي في نوازي لو سيك ولقاءات بجاية السينمائية رسميًا عن شراكتهما، امتدادًا لشغف مشترك بالسينما والتزام بحرية الإبداع واللقاء مع الجمهور. وبموجب هذه الشراكة، سيُدعى الفائز أو الفائزة في مسابقة الأفلام القصيرة بالمهرجان إلى بجاية، فيما سيأتي أحد السينمائيين المختارين في لقاءات بجاية السينمائية إلى نوازي لو سيك لتقديم مشروع فيلمه قيد التطوير. من نوازي لو سيك إلى بداية جسر جديد للسينمائيين من خلال برنامج يجمع بين الأفلام الروائية، والأفلام الوثائقية، والأفلام القصيرة، والأفلام الروائية الطويلة، فإن المهرجان يدافع بذلك عن سينما لا تكتفي بمراقبة العالم العربي من الخارج فحسب، بل تمكّن أولئك الذين يعيشون فيه من سردواقعهم، وذكرياتهم، وجراحهم، ومقاومتهم، وخيالهم — وهي رسالة تتجلى في الطابع ثنائي اللغة للهوية البصرية الجديدة التي صممتها مانويلا بونيه. وتعبّر الهوية البصرية الجديدة عن هذا التوجّه بجمعها بين العربية والفرنسية. وقد صممتها مانويلا بونيه وجعلت اللقاء بين اللغتين أساس التصميم. فتتوزع النصوص بين اليمين واليسار بما يناسب اتجاه قراءة كل لغة، مما يسهّل قراءتها ويتيح للعين الانتقال بسلاسة بين الكتابتين، في حركة تشبه الرقص. صممت عود أبو النصر الملصق الدعائي للمهرجان للعام الثالث على التوالي. وتدعو ألوانه الزاهية المشاهد إلى الدخول في أجواء الحكاية والشعور بأنه جزء منها؛ فهي حكايتنا المشتركة على ضفتي المتوسط. وتلفت الشخصيات وطريقة توزيعها بين مقدمة الصورة وخلفيتها الأنظار، وتوحيان بمشهد سينمائي. أما الخلفية فتستحضر نهر النيل، مهد الحضارة المصرية، في إشارة إلى مصر التي تحتفي بها الدورة الخامسة عشرة. هوية بصرية جديدة تجمع العربية والفرنسية في تصميم مميز وحيوي توضح المديرة الفنية للمهرجان، ماتيلد روكسيل أن «تشكّل مصر حالة استثنائية في تاريخ سينما البلدان العربية؛ فسرعان ما نشأت، عقب العروض الأولى لأفلام الأخوين لوميير القصيرة