يغادر رشيد الضعيف، في رواية الجديدة هسْ[1]، عوالم الرواية الخرافية عائداً إلى العوالم الحقيقيّة الواقعيّة، إلى المواضيع والقضايا الاجتماعية والانسانية التي كثيراً ما تناول جوانب منها في رواياته السابقة من زوايا نظر خاصّة، علماً أن هذه المواضيع والقضايا لم تغِب معالجتها عن رواياته الثلاث الأخيرة حيث خاض غمار الخرافة وأخبار الجنّ والعفاريت والأبالسة، والتي لم تغِب بدورها كلّياً عن وقائع روايته الجديدة. وإن كان القارئ استشفّ في رواية الكاتب السابقة ندم إبليس موقفاً من العائلة كبنية اجتماعية صغرى (كما أشرنا سابقاً في مقالنا عن تلك الراوية)ـ فإن الضعيف في روايته الجديدة هذه يتناول مباشرة وصراحة قضية "العائلة" كوحدة اجتماعية نواتية تتحكم بالمفاهيم والأعراف الاجتماعية التقليدية، وتؤسّس بدورها لتلك المفاهيم والأعراف. تنطلق أحداث الرواية من جو مزاح بين أفراد العائلة، في سياق نقاشاتهم التي تتناول مختلف القضايا، عندما أتوا على ذكر "الحمض النووي" وإبداء أحد الابنَيْن رغبته في إجراء فحص حمضه لتعلِّق أخته سائلة عمّا إذا كما يسعى إلى التأكّد من أبوة والده له. وحده الوالد لاحظ امتقاع لون الأم وتجهّمها عند هذه المزحة، ولبوسها فيما بعد هذه الحالة رغم اعتذار ابنتها، حتى أغرقت في حالة من الصمت والكآبة تحوّلت مع الوقت إلى حالة مَرَضية لم يفهم سرّها أو يتكهّن به سوى الوالد، الذي فتحت له هذه المزحة نوافذ الشكّ والتساؤل عمّن من الأولاد قد لا يكون من صلبه. حول هذا الحديث العادي في ظاهره تنعقد القصة في حبكة روائية بسيطة لا تتوخى التعقيد بقدر ما يسعى الكاتب من خلالها إلى بسط آرائه في العائلة وأساساتها وبنيتها، ويعبّر عن موقفه منها في نهاية المطاف. الأب المصدوم المفجوع المُغتصَب وحده الأب أدرك لماذا صمتت الأم وتجهّمت، أو هو شكّ، ووحده يعلم أن لا علاج عادياً ينفع معها. وهو يقدّر أنها تلوذ بالصمت خشية أن ينفضح أمرها أمام الأولاد وتنكشف خيانتها في لحظة عابرة من ماضيها، فيما ينكفئ هو عن كل محاولة لتسوية الأمور. كلّ ما أراده هو معرفة أيّ من أولاده ليس من صلبه، فيمعن في التدقيق والتحقيق والتفتيش، في ماضي الأيام ووقائعها، عبر الصور وذكريات الصداقات وأجواء العمل وغيرها التي يمكن أن تكون قد سهّلت لزوجته هذه الخيانة الفادحة. هذا ما يمضّه ويؤلمه حتى يشعر بأنه منتهَك في كرامته وشرفه، لا بل مغتصَب جسدياً بكل معنى الكلمة عندما يفكر في استسلام زوجته لذاك الذي زرع فيها بذرته. والمثير في الأمر هو أن كليهما، الزوج والزوجة، الأب والأم، لم يفاتح الآخر بالموضوع. هي غرقت في كآبتها واستسلمت لمرضها، وهو انساق لشكوكه وأفكاره السوداوية وخشيته من الفضيحة. ولذلك نسمع تلك الدعوة الداخلية إلى السكوت عنها "هسْ!" التي أعطت الكتاب عنوانه. الإنجاب والعائلة، الطبيعي وغير الطبيعي تتناول الرواية إذن، على لسان الوالد على الأخصّ، وعبر سرد الراوي (الروائي) العليم، الكلّي العلم، مسألة العائلة من زوايا مختلفة عن تلك المعهودة في السياقات الاجتماعية والعلمية والقانونية. وإذا نحن إزاء مطالعة مطوّلة، وتأمّلات عميقة في الحياة البشرية، وتكوّن العائلة ومساراتها عبر التاريخ البشريّ. وكأنّ الكاتب يعود بنا إلى المجتمعات الأولى الأموميّة، التي هي الأساس الطبيعيّ، حيث الأم/المرأة هي الأساس "لأنّ الأم هي الأمّ مهما يكن". وعليه، يبدو أنّ كلّ ما بناه المجتمع البشري ومأسسه هو المخالف غير الطبيعي، خصوصاً عندما مُنِح الأب سلطته ضمن هذه الوحدة الاجتماعية الصغرى. ومن هنا يجب أن نعترف أنّ الأم بخيانتها استعادت حريتها، وتملّكت جسدها مجدّداًـ فهي حرّة في التصرّف به وصولاً إلى إهدائه لمن تشاء، ليس من باب النزوة أو الرغبة الجنسية، بل من باب المكافأة والهدية وعرفان الجميل والخدمة مثلاً، كالنساء اللواتي يقدّمن رحمهن ليحمل بذور وبويضات أزواج يسعون إلى إنجاب البنين. لا يعطي رشيد الضعيف أبطاله أسماء، وهذا ما سهّل عليه التعميم ربما، عندما يتحوّل أبطاله (والوالد خصوصاً) بطريقة مباشرة ومن دون وسائط معنوية أو أسلوبية، إلى شخصيات تمثّل آدم، أبَ البشرية، أو نوح وأبناءه الثلاثة الذين نجوا معه، فيروي عنه وعنهم، أو يخاطبه لائماً أو مستنكراَ، ومستعيداً معه مسار البشرية، منذ التحولات الأولى التي أحدثها "الإنسان" في العائلة، وأصَّلها في المجتمع ومأسسها حتى بدت وكأنه هي الأصل الطبيعي، وصولاً إلى يومنا هذا الذي يشهد أنواعاً من السلوكيات التي تبدو في نظر المجتمع الممأسس شاذة ومخالفة للطبيعة في حين أنها هي الطبيعية، "ثمّ إن الخروج عن المرسوم منذ فجر التاريخ، قد يكون له منفعة عظمى أيضاً لأنه "يكسر" الروتين في العائلة، وهذا ما يعطيها دفعاً للاستمرار". هذه السلوكيّات والنظرة المعاصرة إلى "الجنس" البشريّ، مع ما نتج من ذلك من تشكّل أنو