بين الحديث عن استعادة "حزب الله" قدراته العسكرية والاستعداد لمواجهة جديدة مع إسرائيل، تكشف معطيات أمنية وسياسية أن الحزب يعيد ترتيب أولوياته العسكرية، من دون أن يكون في موقع يسمح له بالانتقال إلى الهجوم، فيما تتزايد الضغوط عليه داخلياً وخارجياً، وتبرز حدود الغطاء السياسي الذي يمكن أن يوفره له رئيس مجلس النواب نبيه بري. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصدر أمني لبناني بارز أن الحديث عن استعادة الحزب قدراته العسكرية ينطوي على مبالغة مقصودة، مشيراً إلى أن ما يقوم به حالياً يتركز على تحصين المواقع الدفاعية المتبقية له، ولا سيما في المنطقة الممتدة بين إقليم التفاح وجبل الريحان شمال نهر الليطاني. وبحسب المصدر، فإن الحزب بات في موقع الدفاع عن النفس، وليس في وارد فتح مواجهة جديدة مع إسرائيل، خصوصاً في ظل التغييرات الميدانية التي فرضتها السيطرة الإسرائيلية على مناطق جنوب الليطاني، والتهديدات المتكررة بتوسيع نطاق العمليات نحو المرتفعات الاستراتيجية شمال النهر. وتتقاطع هذه المعطيات مع معلومات نقلتها الصحيفة عن مصدر محسوب على "الثنائي الشيعي"، وعلى تواصل مع قيادات في الحزب، أكد أن عملية ترميم البنية العسكرية مستمرة، لكنها لم تبلغ مستوى استعادة القدرات السابقة، وأن الأولوية تتمثل في حماية المواقع المتبقية ومنع إسرائيل من فرض وقائع ميدانية إضافية. لكن اللافت في المعطيات الجديدة لا يتعلق فقط بحجم القدرات العسكرية، بل بالغطاء السياسي المفقود لأي مغامرة محتملة. فالمصدر القريب من "الثنائي الشيعي" يجزم بأن الحزب لن يُقدم على مواجهة غير محسوبة، في ظل غياب الغطاء السياسي من نبيه بري، وتراجع استعداد البيئة الشيعية لتحمّل تبعات حرب جديدة، بعد الخسائر البشرية والمادية والنزوح الواسع الذي شهدته المناطق الجنوبية. وهنا تتجاوز المسألة الحسابات العسكرية إلى معادلة سياسية أكثر تعقيداً: فاحتفاظ الحزب بسلاحه لا يعني بالضرورة استعداده لاستخدامه، فيما تبدو أولويته الحالية الحفاظ على ما تبقى من قدراته، وتحصين موقعه التفاوضي والسياسي، من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تكون كلفتها أكبر من قدرته على تحمّلها. وفي موازاة ذلك، يبرز ملف متفجرات ضهر البيدر بوصفه اختباراً مباشراً للعلاقة بين الحزب والدولة. فبحسب ما نقلته الصحيفة عن مرجع سياسي، فإن إصرار الحزب على استعادة المتفجرات المصادرة لم يكن مجرد مطالبة باسترجاع شحنة عسكرية، بل حمل أبعاداً سياسية تتصل بمحاولة تجاوز قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة ومنع النشاط العسكري والأمني خارج مؤسساتها. غير أن امتناع الحكومة عن إعادة المتفجرات حمل، وفق المرجع، رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج مفادها أن قرارات حصرية السلاح ليست قابلة للتراجع تحت الضغط. والأبرز أن تدخل بري، بحسب هذه الرواية، بقي محصوراً في منع انفجار الخلاف داخل الحكومة، من دون أن يصل إلى تبني مطلب الحزب باستعادة المتفجرات، تاركاً الملف للقضاء. ويعكس هذا التمايز حدود العلاقة بين الحليفين في المرحلة الراهنة: فبري يسعى إلى حماية الاستقرار السياسي ومنع انهيار التوازنات الحكومية، لكنه لا يبدو مستعداً لتوفير غطاء مفتوح لخيارات عسكرية أو أمنية قد تضع الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي. أما على المستوى الإقليمي، فلا يبدو أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستمنح لبنان هامشاً واسعاً للمناورة. فبحسب تقديرات المصادر التي تحدثت إلى "الشرق الأوسط"، ثمة تقاطع بين القوى الإسرائيلية المتنافسة على ربط أي تقدم في تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالجنوب بحصر سلاح الحزب بيد الدولة اللبنانية. وفي ضوء التعثر الذي طبع الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي في فلوريدا، وغياب موعد محدد لاستئناف المسار السياسي، تبدو المنطقة مقبلة على استمرار المراوحة، فيما يبقى الميدان مفتوحاً أمام احتمالات التصعيد. وهكذا، يجد "حزب الله" نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: يحتاج إلى إعادة بناء قدراته لمنع خسارة المزيد من مواقعه، لكنه يفتقر، وفق هذه المعطيات، إلى الظروف العسكرية والسياسية والشعبية التي تسمح له باستخدام تلك القدرات في حرب جديدة. وبين سلاح يسعى الحزب إلى الاحتفاظ به، ودولة تتمسك بحصريته، وبري يرفض تغطية مغامرة عسكرية، يتبلور السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ينجح الحزب في تحويل إعادة التسلح إلى ورقة دفاع وردع، أم تتحول محاولة تحصين مواقعه إلى سبب إضافي لتوسيع المواجهة الإسرائيلية؟