لم تكن العملية الأمنية التي شهدتها بلدة رنكوس بمنطقة القلمون مجرد مواجهة أمنية عابرة مع خلية وصفت رسمياً بأنها تابعة لـ"داعش"، بل تحولت سريعاً إلى اختبار جديد لميزان الثقة بين الشارع والمؤسسات الأمنية. وبين رفض محلي واسع للرواية الرسمية، واتهامات بتصفية حسابات ونفوذ بين قيادات سابقة، تسعى الجهات الأمنية لاحتواء التوتر المتصاعد، في وقتٍ تُسلط فيه الأحداث الضوء على تعقيدات إدارة الملف الأمني في بيئات محلية ذات خصوصية عالية مثل مناطق القلمون. احتجاجات ومطالبوجرت العملية، وفق إعلان وزارة الداخلية السورية، فجر الخميس الماضي، وقالت إنها استهدفت خلية تابعة لتنظيم "داعش"، وأسفرت عن مقتل عنصرين من قوى الأمن الداخلي وإصابة خمسة آخرين، إضافة إلى تحييد 5 مسلحين واعتقال 6 آخرين.لكن أهالي رنكوس خرجوا عقب العملية باحتجاجات سلمية رفضوا خلالها الاتهامات الرسمية، وطالبوا بتوضيح الملابسات التي أدت إلى مقتل الشبان الخمسة، وإجراء تحقيقات شفافة للوقوف على حقيقة الاتهامات الموجهة إلى الشبان بالانتماء إلى التنظيم المتطرف، والإفراج عن الموقوفين الذين جرى توقيفهم خلال العملية.وإثر الاحتجاجات، أصدرت وزارة الداخلية بياناً ثانياً أكدت فيه "متابعتها باهتمام" بالغ ردود الفعل والتساؤلات التي أثارتها العملية الأمنية، موضحةً أن المهمة كانت تهدف إلى تنفيذ مذكرات إحضار وتوقيف بحق مشتبه بهم.إلا أن مصدرين من رنكوس نفيا لـ"المدن"، صحة ما جاء في البيان، مؤكدَين أن الشبان المستهدفين لم يُبلّغوا أي مذكرات إحضار للجهات الأمنية، وكانوا يتنقلون بحرية في مناطق القلمون والعاصمة دمشق. وشدد المصدران على أن العملية فاجأت جميع الأهالي في البلدة بسبب ضخامة القوات المشاركة فيها، مؤكدَين أن الجهات الرسمية في رنكوس لم تتلقَّ أي نشرات رسمية بخصوصهم.وأكدت الوزارة في بيانها استمرار التحقيقات الأولية مع الموقوفين بإشراف الجهات القضائية المختصة، مشددةً على التزامها بإعلان نتائج التحقيقات وعرض الأدلة أمام الرأي العام فور استكمال الإجراءات القانونية، في إطار الحرص على الشفافية وضمان حق المواطنين في معرفة الحقيقة بعيداً عن الشائعات.وبحسب المصدرين، فإن أعمار الشبان المستهدفين لا تتجاوز 25 عاماً، وهم معروفون لدى أهالي رنكوس "بحسن السيرة والأخلاق"، و"محافظون وليسوا من داعش"، ومنهم مقاتلون سابقون ضمن "هيئة تحرير الشام" ويملكون أرقاماً ذاتية في سجلاتها.وتتلخص مطالب الأهالي اليوم في مطالبة الجهات الأمنية السورية بتقديم أي دلائل تثبت ارتباط الشبان بالتنظيم، وتقديمها لأهالي القتلى وأهالي البلدة، بحسب المصدرين. محاولة احتواءوكشف أحد المصدرين عن عقد اجتماع في مديرية الأمن الداخلي بمدينة التل عقب الاحتجاجات، جمع أهالي القتلى ووجهاء من البلدة مع قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي ومسؤولين آخرين، طالبوا خلاله بإثبات انتماء الشبان إلى التنظيم أو التواصل معه، فيما طلب الدالاتي مهلة زمنية لتقديم الأدلة ووضعها بين أيديهم.وحول الأشخاص الذين جرى توقيفهم خلال العملية، أوضح المصدر أن عددهم يقارب 42 شخصاً، جرى الإفراج عن العدد الأكبر منهم خلال الأيام الثلاثة الماضية، وكان إطلاق سراحهم أحد مطالب المشاركين في الاجتماع، لافتاً إلى بقاء 4 أشخاص قيد التوقيف حتى الآن، مع إبداء الوعود بعدم توقيفهم في حال ثبوت أي تهم بالانتماء إلى التنظيم، وإخضاعهم لدورات توجيه ثم الإفراج عنهم.وفي تطور ميداني متصل، أعلن رئيس مجلس الشورى في بلدة رنكوس حسين عارفة، مساء أول من أمس الأحد، التوصل إلى اتفاق مع الجهات الرسمية والأمنية عقب اجتماع موسع ضمّ رئيس مجلس الشورى، ورئيس لجنة الصلح، ووجهاء البلدة، مع محافظ ريف دمشق عامر الشيخ، والعميد أحمد الدالاتي، وإدارة منطقة التل، وبحضور والد ثلاثة من المحتجزين. وبحسب البيان الصادر عن الاجتماع، تم الاتفاق على إطلاق سراح ما تبقى من المحتجزين على خلفية الأحداث الأخيرة في البلدة في أقرب وقت ممكن بعد إتمام المشاورات اللازمة، باستثناء من تثبت إدانته بجرم جنائي. كما تناول الاجتماع ملفات خدمية وأمنية تهم بلدة رنكوس ومنطقة القلمون عموماً، إلى جانب مناقشة آلية التعاطي الإعلامي الرسمي تجاه البلدة وتصحيحها كمرحلة ثانية تلي استكمال عملية الإفراج. صراع التلي والبيطار؟ وفي خضم الغضب والتوتر الحاصلين في رنكوس، جرى تداول روايات مختلفة حول حقيقة ما جرى، إحداها تقول إن العملية الأمنية كانت عبارة عن تصفية حسابات شخصية ضيقة بين النقيب فراس البيطار، والقيادي السابق في "جبهة النصرة" جمال زينية، المعروف بـ"أبو مالك التلي".وبحسب هذه الرواية، فإن البيطار هو من تقدم بشكوى للجهات الأمنية ضد هؤلاء الشبان بسبب "ميولهم الداعشية"، لكن السبب الحقيقي يكمن في ولاء الشبان المستهدفين لأبو مالك التل