في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة النقل والتجارة الدولية، ومع عودة الحديث عن ممرات بديلة تربط الهند والخليج بأوروبا، يبرز لبنان كإحدى النقاط التي يمكن أن تدخل في هذه المعادلة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ومرافئه، شرط استكمال البنى التحتية واتخاذ خطوات استثمارية ولوجستية وإدارية تسمح له بالاندماج الفعلي في منظومات النقل الإقليمية الجديدة. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، أكد مدير عام مرفأ طرابلس الدكتور أحمد تامر أن الانتخابات الإسرائيلية تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى لبنان، إلا أن المسألة الأساسية لا تتعلق بمن سيفوز بها، بقدر ما ترتبط بطبيعة السياسات التي ستعتمدها الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وقال تامر: "الانتخابات الإسرائيلية مهمة جدًا، وبالنسبة إلى لبنان، لا يجب أن ينصبّ اهتمامنا على من سيفوز بها، بل على سياسات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وما إذا كانت ستواصل سياساتها العدائية تجاه الدول العربية أو ستتجه نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة". وفي سياق التطورات الإقليمية، شدد على وقوف لبنان إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة ما تتعرض له، قائلًا: "نقف إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات، باعتبار أن هذا العدوان يمسّ الوطن العربي بأسره". وعلى المستوى الاقتصادي، ركز تامر على أهمية منظومة النقل المتكامل ودور المعابر في ربط لبنان بالمسارات التجارية الكبرى، معتبرًا أن غياب سياسة استثمارية واضحة سيحول دون دخول لبنان فعليًا في مشروع الممر الاقتصادي "IMEC". وقال: "موضوع منظومة النقل المتكامل أساسي، تمامًا كأهمية المعابر، وإذا لم نعتمد سياسة استثمارية فلن نكون فعليًا جزءًا من منظومة "IMEC"". وأوضح أن العالم يشهد اليوم صراعات متعددة، بعدما كان منقسمًا خلال الحرب الباردة بين قطبين أساسيين، بينما باتت الساحة الدولية اليوم أمام منظومة أكثر تعقيدًا وتنافسًا. وأضاف: "خلال قمة الـ20 في الهند، وقّعت 8 دول اتفاقية "IMEC"، وهي تقوم على مسارين: الأول من الهند إلى دول الخليج، والثاني من دول الخليج إلى أوروبا". وأشار إلى أن هذا المسار تعطل نتيجة الاعتداءات التي شهدتها المنطقة، قائلًا: "وتوقف كل شيء نتيجة الاعتداءات التي حصلت". وفي المقابل، كشف تامر عن عودة الحديث حول مسار بديل يمكن أن يمر عبر الأردن وسوريا ولبنان، مؤكدًا أن لبنان يمتلك جاهزية من حيث المرافق التي تسمح له بالدخول في هذه المنظومة، إذا استُكملت الخطوات المطلوبة. وقال: "أصبح هناك حديث عن مسار بديل يمر عبر الأردن وسوريا ولبنان، ولبنان جاهز من حيث المرافق". وشرح أن منظومة "IMEC" تقوم على 4 ركائز أساسية، هي تسهيل سلاسل الإمداد من خلال تطوير البنى التحتية والطرقات، وتسهيل التجارة، والرقمنة، والطاقة النظيفة. وأضاف: "نحن قادرون، إذا اتخذنا بعض الخطوات، على الدخول في هذه المنظومة". وفي ما يتعلق بجهوزية مرفأ طرابلس، أكد تامر أن المرفأ مستعد للتحول الرقمي، مع الحاجة إلى تطوير بعض البنى التحتية القائمة، إلى جانب مزيد من العمل على التسهيلات اللوجستية والإدارية. وقال: "نحن جاهزون للتحول الرقمي، مع الحاجة إلى بعض التطوير في البنى التحتية الموجودة، أما التسهيلات اللوجستية والإدارية فتحتاج إلى مزيد من العمل". وكشف أن القرار الاقتصادي في لبنان اتُّخذ بالفعل، وأن وفدين من مرفأي بيروت وطرابلس أُرسلا للتوقيع، بالتزامن مع بدء ورشة عمل لتنفيذ الإجراءات المطلوبة. وأضاف: "القرار الاقتصادي اتُّخذ في لبنان، وتم إرسال وفدين من مرفأي بيروت وطرابلس للتوقيع، ونحن اليوم داخل ورشة عمل. كما أُعطيت التعليمات للمرفأين للبدء بالإجراءات اللازمة". وفي خطوة ترتبط بإعادة وصل لبنان بمحيطه البري، أعلن تامر أن مرفأ طرابلس سيشارك في دراسة مشروع للسكك الحديدية يمتد من طرابلس إلى سوريا، ضمن رؤية أشمل تتجاوز حدود المرفأ إلى بناء منظومة اقتصادية مترابطة. وقال: "سيشارك مرفأ طرابلس في دراسة مشروع السكك الحديدية الممتدة من طرابلس إلى سوريا، ونحن نسعى إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة". وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة لبنان على تحويل موقعه الجغرافي من ميزة نظرية إلى عنصر اقتصادي فعلي، عبر المرافئ والسكك الحديدية والرقمنة وتسهيل التجارة، بما يسمح له بحجز موقع داخل خريطة الممرات الجديدة التي يعاد رسمها بين آسيا والخليج وأوروبا.