لم يعد شرق البحر المتوسط، في القراءة الإسرائيلية، مجرد مساحة مائية مفتوحة، بل تحوّل إلى ساحة صراع استراتيجي تتقاطع فيها مشاريع الطاقة والتجارة والنفوذ، وسط اتهامات لأنقرة بمحاولة عرقلة الجناح الغربي لممر "IMEC"، في مقابل تحركات إسرائيلية ويونانية ومصرية تسعى إلى تثبيت معادلة موازية في المنطقة. وبحسب مقال للمقدم في الاحتياط عميت ياغور في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن تركيا، بعد محاولاتها السابقة عرقلة جهود الولايات المتحدة لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" وبناء تحالف لمواجهة إيران، بما في ذلك الاجتماع الذي عُقد في طهران بمشاركة سعودية، تعمل بالتوازي على منع قيام الجناح الغربي لممر "IMEC"، الذي يُفترض أن يربط إسرائيل، باعتبارها بوابة الخروج من الشرق، باليونان بوصفها بوابة الدخول إلى أوروبا. ويعود الكاتب إلى عام 2020، عندما وقعت تركيا مذكرة تفاهم بحرية مع الحكومة الليبية، رسمت بموجبها خط ترسيم بحري يربط الساحل التركي بليبيا، متجاهلة، وفق وصفه، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS" ووجود الجزر اليونانية، وفي مقدمها كريت ورودوس، وحقوقها السيادية في المناطق الاقتصادية الخالصة. وخلال الأسبوع الماضي، أعاد البرلمان في شرق ليبيا، ومقره بنغازي، المصادقة على الاتفاق البحري مع تركيا، ما أثار سلسلة ردود فعل في المنطقة. وسارعت أنقرة إلى التأكيد أن المذكرة "غير قابلة للإلغاء" عبر تدخل "أطراف ثالثة". وكان الاتفاق الأصلي بين اليونان ومصر عام 2020 قد رسم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين خطي الطول 26 و28، فيما يمر خط الطول 28 وسط جزيرة رودوس. وردًا على إعادة تثبيت الاتفاق التركي-الليبي، أعلنت اليونان أنها توصلت مبدئيًا إلى تفاهم مع مصر لفتح مفاوضات بشأن توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة شرقًا إلى ما بعد خط الطول 28، في خطوة تهدف، بحسب المقال، إلى إحباط الترسيم التركي-الليبي عمليًا. ويضع ياغور هذه التحركات في سياق عقيدة "الوطن الأزرق" التركية "Mavi Vatan"، التي يصفها بأنها رؤية ذات طابع نيو-عثماني وإمبراطوري ترمي إلى ترسيخ السيطرة على مساحات في البحر المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود. وبحسب المقال، لا تنظر تركيا إلى المياه المحيطة بها باعتبارها مساحة اقتصادية فقط، بل عنصرًا سياديًا ووجوديًا يهدف إلى منع حصرها داخل شريط ساحلي ضيق وكسر ما تعتبره محاولة لتطويقها. وترفض هذه الاستراتيجية، وفق الكاتب، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، كما ترفض الاعتراف بحقوق الجزر اليونانية في المناطق الاقتصادية الخالصة، انطلاقًا من موقف تركي يعتبر أن الجزر لا تتمتع بهذه الحقوق. وفي إطار تطبيق هذه العقيدة، انتقلت أنقرة، بحسب المقال، من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الهادئة إلى استخدام وسائل أكثر صلابة، من بينها نشر سفن أبحاث ترافقها قطع حربية تركية، وتوقيع اتفاقات بحرية مثل الاتفاق مع ليبيا، والحفاظ على مستوى دائم من الاحتكاك دون بلوغ عتبة الحرب. ويرى ياغور أن الهدف الاستراتيجي التركي هو فرض واقع لا تستطيع فيه أي بنية للطاقة أو كابلات اتصالات أو خطوط ملاحة، ولا سيما تلك المرتبطة بممر "IMEC"، المرور في شرق المتوسط من دون موافقة تركيا أو رقابتها أو دفع كلفة مرور لها. وفي مقابل تركيا والاتفاق التركي-الليبي، يرى الكاتب أن ائتلافًا إقليميًا يتبلور ويضم إسرائيل وقبرص واليونان ومصر. ووفق هذه الرؤية، يربط هذا المحور مسارات "IMEC"، بما فيها كابلات الاتصالات والطاقة والبنى التحتية، عبر إسرائيل ثم قبرص وصولًا إلى اليونان باعتبارها بوابة الدخول إلى أوروبا، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الاستراتيجي مع مصر التي توسع نشاطها إلى ما بعد خط الطول 28. وفي قراءة أوسع، يعتبر ياغور أن الخطوة التركية لا تقتصر على مواجهة محلية مع اليونان أو قبرص، بل تمثل محاولة لتعطيل رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط والبنية الجديدة للتجارة العالمية المرتبطة بها. ويشير إلى أن مشروع "IMEC"، أي ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، إلى جانب "اتفاقيات أبراهام"، يهدف إلى ربط الهند ودول الخليج والأردن وإسرائيل بشبكة من السكك الحديد وخطوط الطاقة وكابلات الاتصالات. ولكي يصل الممر إلى أوروبا، يحتاج، بحسب المقال، إلى العبور في المسار البحري بين إسرائيل وقبرص واليونان. وتشكل اليونان، وفق هذه الرؤية، الجناح الغربي وبوابة الدخول الأوروبية للممر، فيما تحاول أنقرة عبر ما وصفه الكاتب بـ"الجدار البحري" بين تركيا وليبيا زرع حاجز في قلب هذا الجناح. ويرى أن تركيا تدرك أن كسر الحلقة البحرية قد يمنحها "فيتو جيوسياسيًا" على الممر بأكمله، ويجبر الغرب على العودة إلى الاعتماد على المسار البري التركي. وترافق هذا التوتر هذا الأسبوع مع تحركات عسكرية في البحر المتوسط، إذ أجرى سلاحا البحرية الإسرائيلي واليوناني منا