تتسع الفجوة المعيشية في لبنان إلى حد يبدو معه اللبنانيون وكأنهم يعيشون في بلدين داخل دولة واحدة. شريحة تملك رفاهية إنفاق 13 دولاراً على شطيرة دجاج، وأسر تستنزف دخلها لتأمين الغذاء والكهرباء والدواء، بعدما أنهكت سنوات الانهيار الاقتصادي قدرتها الشرائية. وتكشف مبيعات تجاوزت 20 ألف شطيرة خلال 11 يوماً في مطعم ببيروت حجم هذا التناقض، في بلد تكافح فيه أربع من كل خمس أسر لتأمين احتياجاتها الأساسية. مشهد يعكس عمق الشرخ الاجتماعي والاقتصادي، واتساع الفجوة بين مستويات المعيشة، مع تآكل الطبقة المتوسطة وتفاوت قدرة اللبنانيين على مواجهة أعباء الحياة اليومية. بدأ الجدل بعدما طرح مطعم "ذا جلو بارادايس" شطيرة صحية باسم "شيك طاووق"، بسعر يقارب ضعف ثمن الشيش طاووق التقليدي، ما أثار انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الأسعار والقدرة الشرائية. وواصل المطعم تسجيل مبيعات مرتفعة رغم الانتقادات، وفق ما نقلته "رويترز" عن إدارته في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، لتسلط الواقعة الضوء على التفاوت بين شريحة تحتفظ بقدرتها على الإنفاق، وأسر تعيد ترتيب أولوياتها لتغطية نفقات المعيشة. يبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص اللبناني 28 مليون ليرة شهرياً، أي قرابة 313 دولاراً وفق سعر الصرف المنشور لدى مصرف لبنان، وهو المستوى المعتمد منذ أغسطس (آب) 2025. وتأتي المقارنة مع ثمن الشطيرة بعد سنوات فقد خلالها الاقتصاد اللبناني جزءاً كبيراً من حجمه، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قرابة 40% بين عامي 2019 و2024. وبعد نمو 4.2% خلال 2025، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد 6.4% في 2026، مع تعثر النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك والاستثمار بفعل التصعيد العسكري. كانت الضغوط المعيشية حاضرة قبل تجدد التصعيد العسكري في مارس (آذار) 2026، إذ أظهر مسح أجراه المركز اللبناني للدراسات السياسية مطلع العام، وشمل أكثر من 2400 مشارك، أن 32% من الأسر خفّضت أو أجّلت نفقات الرعاية الصحية، فيما اضطر 15% من المشاركين إلى الاستدانة لتغطية احتياجاتهم. وتفاقمت أوضاع سوق العمل خلال الأشهر التالية، بعدما كشف مسح لمنظمة العمل الدولية شمل 2485 عاملاً بالقطاع الخاص في مايو (أيار) 2026، أن 33% من المشاركين لم يعودوا يعملون وقت الاستطلاع. وقدّرت المنظمة تراجع متوسط دخل العمل لدى العينة بنسبة 40.4%، بعد احتساب فقدان الوظائف وانخفاض أجور العاملين الذين احتفظوا بوظائفهم. تظهر بيانات إدارة الإحصاء المركزي اللبنانية حجم الضغوط على الإنفاق اليومي، بعدما ارتفعت أسعار النقل 29.36% خلال يونيو (حزيران) 2026 مقارنة بالشهر نفسه من 2025، فيما زادت أسعار المياه والكهرباء والغاز والوقود 25.3%. وسجل التضخم السنوي 17.53% خلال سبتمبر (أيلول) 2026، بحسب أحدث البيانات الرسمية المنشورة في 21 أكتوبر الحالي، ما يضيف أعباء جديدة على الأسر المعتمدة على دخول محدودة. وتشكل المولدات الكهربائية الخاصة أحد مصادر هذه الأعباء، إذ حددت وزارة الطاقة تعرفة سبتمبر عند 52840 ليرة لبنانية للكيلوواط/ساعة في المدن، إضافة إلى رسم ثابت قدره 385 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير. وبحساب استهلاك افتراضي يبلغ 100 كيلوواط/ساعة شهرياً، تصل الفاتورة إلى قرابة 5.7 مليون ليرة، أي ما يعادل خُمس الحد الأدنى للأجر الشهري تقريباً. تبدو آثار الأزمة أشد قسوة في أحدث تقييم لليونيسف، نُشر في سبتمبر 2026، وأظهر أن أربعاً من كل خمس أسر في لبنان تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية. وأفادت 22% من الأسر المشمولة بالتقييم بأن أطفالها ناموا جائعين، فيما اضطر 46% منها إلى تقليص نفقات التعليم، وأبلغت 14% عن وجود طفل واحد على الأقل يعمل لديها. وتضع هذه الأرقام مبيعات الشطيرة مرتفعة الثمن في سياق اجتماعي أوسع. فبين أسر تستطيع تخصيص 13 دولاراً لوجبة واحدة، وأخرى تؤجل العلاج أو تستدين أو تقلص الإنفاق على غذاء أطفالها، تتباعد مستويات المعيشة في لبنان، ويصبح تأمين الاحتياجات اليومية تحدياً متزايداً لشرائح واسعة من السكان.