على مدى يومين أمضيتهما في منطقة النبطية، بدا لي واضحاً من التواصل مع الناس أن الجنوبيين يتابعون الانتخابات الإسرائيلية أكثر من أي وقت مضى. ينتظرون نتائجها على أحرّ من الجمر، وكأنهم ينتظرون نتائج انتخابات تجري في بلدهم، لا في إسرائيل. فما يجري في إسرائيل لم يعد بالنسبة إلى أهل الجنوب شأنًا إسرائيليًا فقط، بل تحوّل إلى شأن لبناني داخلي، بعدما باتت نتائج الانتخابات تحمل، في نظرهم، إجابات عن مصيرهم: هل تستكمل الحرب؟ هل تتوسع؟ أم تتجه الأمور نحو التهدئة؟ كنت قد انطلقتُ من بيروت إلى الجنوب، ومن صيدا تحديدًا. ركبتُ فان الأجرة من صيدا إلى النبطية، وجلستُ إلى جانب سائق الفان، وهو شاب في العشرين من عمره. رحّب بي وناداني باسمي، وأبلغني أنه من قريتي زوطر الشرقية. وراح يمطرني بأسئلة حول الجنوب وإذا ما كانت الحرب ستقع ومدى تأثير الانتخابات الإسرائيلية. في تجوالي في المنطقة لاحظت أن الجميع يتابعون المشهد السياسي الإسرائيلي ومن سيفوز بالانتخابات، كما لو أن الجنوبيين يرون في نتائج تلك الانتخابات مؤشرًا إلى المرحلة المقبلة، لناحية اندلاع الحرب أو تهدئة لالتقاط أنفاسهم. ولمستُ في أحاديث الناس أن الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية لم يعد اهتمامًا سياسيًا مجردًا، بل أصبح مرتبطًا بالخوف على البيوت والقرى والرزق والمصير. فالناس تريد أن تعرف من سيحكم في إسرائيل، وما إذا كان القرار المقبل سيقود إلى جولة جديدة من الحرب أم إلى مسار سياسي يجنّبهم كارثة جديدة. بينما ينتظر الإسرائيليون نتائج انتخاباتهم لتحديد مستقبلهم السياسي، ينتظر الجنوبيون نتائجها لمعرفة مستقبل حياتهم. تسأل الناس عن أحوالهم لكن لسان حالهم كما قال لي أحدهم: "حدّث ولا حرج. نحن أموات لكن نتحرك على أقدامنا. لقد تشتتنا وكل فرد من أفراد العائلة في ديرة". سألت أحدهم عن التعويضات التي قالوا إنها جاهزة وستدفع للنازحين، فأجابني: "حتى لو دفعوا اليوم، لقد خسرنا كل شيء، ودفعنا ثمناً يفوق بعشرات المرات ما سيدفعون لنا". لاحظت في النبطية ألا حديث للناس إلا عن الخوف من تجدد الحرب الكاملة، لأن هذه المرة لا مأوى لديهم ولا منطقة يلجأون إليها، ولا مال ولا أعمال ولا رزق؛ فقد نفد كل شيء في الحرب السابقة. لكن بدا واضحاً أيضاً أن السكان ضاقوا ذرعاً بحزب الله. ثمة تنام لنفور الناس من الأمر الواقع، لم يكن جلياً في السابق مثل هذه الأيام. حتى إنَّ بعضهم باتوا على يقين بأن الحزب غير مبالٍ، وأنه لا يفعل سوى تقديم الوعود لهم في شيك بلا رصيد. في كل اللقاءات خلال يومين في المنطقة كان سؤال الحرب والمصير أساسياً على ألسنة السكان. تفاجأت بأحدهم قال صراحة: "هل سيكون حزب الله أكثر عقلانية هذه المرة ويرحم من تبقّى من عباد الله؟ وهل يستطيع أن يقول لإيران لا. كيف سيخاطبنا الحزب هذه المرة ونحن نازحون في لاسا أو كيفون أو الكورة، في حال وصل المحتل إلى صيدا وبيروت؟" تعب سكان الجنوب من ثلاث سنوات من الحرب والدمار والقتل. باتوا على قناعة أن دمار بلداتهم يحتاج إلى ثلاثين سنة لإعادتها إلى ما كانت عليه من قبل. وما زادني قهرًا خلال زيارتي أحاديث كبار السن. فأمنية هؤلاء لم تعد سوى الموت في بيوتهم وقراهم حتى لو كانت مدمرة. وقال أحدهم: "نريد أن نموت في مقابرها، ولا نكون ودائع عند غيرنا، ولا نصبح عبئًا على الآخرين، حتى ونحن أموات وأجساد هامدة". رأيتُ في الجنوبيين خلال هذين اليومين أكثر من مجرد قصة نزوح تتمثل في تأمين الإيواء أو الطعام والشراب، بل حكاية أناس موجوعين يريدون الخلاص. يريدون أن يكونوا بشرًا يستحقون الحياة. إلا أن ما علق في ذهني حجم الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية، ومتابعة نتائجها لمعرفة مصيرهم وماذا ستحمل إليهم.