كان يمكن لاجتماع أعضاء "حلف مكة" في طهران لو عقد قبل أشهر أن يؤسس فعلياً لمشهد جديد على مستوى المنطقة. لكنه جاء متأخراً وفي محاولة استلحاقية لتفادي انفجار كبير، ليست مضمونة حتى الآن القدرة على تلافيه. لكن الخطوة تمثّل تطوراً هاماً، إذ منذ الإعلان عن حلف مكة أعلنت دوله استعدادها للتفاهم مع إيران، ولخلق توازن مع إسرائيل التي تريد مواصلة حروبها وتوسعها. جاء الاجتماع على وقع تهديدات أميركية وإسرائيلية واضحة بتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، ستتحول إلى حرب إقليمية، كما أنه جاء في ظل اشتعال حرب اليمن، وتعرض السعودية لضربات من حلفاء إيران الحوثيين، بعدما تعرضت خلال الحرب الماضية لضربات من إيران نفسها. وهذا وحده يشير إلى خطورة الوضع الذي يستدعي هذه الزيارة واللقاء، وهنا لا بد من العودة إلى ما قبل حرب شباط 2026 على إيران، حيث كانت قنوات الاتصال السعودية الإيرانية فعالة، وزار وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان طهران يومها وسلّم المرشد علي الخامنئي رسالة من الملك سلمان، كما حصلت زيارات لولي العهد السعودي ولوزير الدفاع إلى الولايات المتحدة في محاولة لتجنب الحرب، لكن كل تلك المساعي لم تؤد إلى نتيجة حينها. جاءت زيارة دول "حلف مكة" بعد مساعٍ حثيثة بذلتها دولة قطر على خط التفاوض الإيراني الأميركي، وقد ساهمت قطر في التمهيد لهذه الزيارة وترتيبها في إطار الجهود المشتركة لتجنب انفجار كبير على مستوى المنطقة، في ظل التهديدات الأميركية بتدمير البنى التحتية الإيرانية ومنشآت النفط والمنشآت النووي، مقابل التهديدات الإيرانية التي أبلغت بها دول المنطقة وتشير إلى أن طهران ستستهدف مرافق حيوية، ومحطات طاقة وكهرباء وتحلية للمياه وغيرها، وهذا ما يعني إدخال المنطقة ودولها في حرب لا تنتهي آثارها لسنوات، خصوصاً في ظل التهديدات الأميركية الجدية بشن الحرب على إيران، وبعد نقل رسائل بأن القرار قد اتخذ ولم يتبقَّ سوى اختيار التوقيت بالتزامن مع استمرار تجهيز القوات. كانت الولايات المتحدة الأميركية، قد أعدت خطتها العسكرية بالاشتراك مع إسرائيل، وبحسب ما يتسرب فالخطة تتركز على تنفيذ غارات جوية عنيفة على منشآت حيوية وأساسية بينها منشأة جبل الفأس وأي منشأة نووية أخرى، إضافة إلى ضرب محطات النفط وخزانات الوقود ومنشآت الطاقة والكهرباء، إلى جانب مصانع ومخازن لصواريخ ومسيرات. كما تشتمل الخطة الأميركية على ضرب مقرات ومراكز أساسية للحرس الثوري والباسيج، وتنفيذ عمليات اغتيال، واستهداف بنىً تحتية في محاولة لعزل محافظات بعضها عن بعض، والإفساح في المجال أمام مجموعات من الداخل الإيراني للسيطرة على هذه المحافظات. إضافة إلى تركيز العمليات العسكرية في محيط مضيق هرمز والجزر المشرفة عليه في محاولة للسيطرة الأميركية عليها، وليس بالضرورة من خلال نشر قوات أميركية بل نشر قوات أخرى بإشراف أميركي. هذه الخطة تعني بالنسبة إلى الأميركيين محاولة لإسقاط النظام، لكنها غير مضمونة النتائج خصوصاً بالنسبة إلى الإيرانيين الذين يعتبرون أنفسهم قادرين على الصمود واحتواء الضربة والانتقال إلى مرحلة توجيه الضربات المؤلمة لأميركا وحلفائها في المنطقة ضمن إطار الضغط المضاد لوقف الحرب والعودة إلى طاولة التفاوض. هذا المعيار الإيراني يتحكم أيضاً بطريقة التعاطي مع كل الوساطات، فحتى الآن لا تزال طهران تعتبر نفسها منتصرة من كل ما جرى، وقادرة على الصمود، ولذلك لا تزال تريد فرض شروطها. وهي تعتبر أن كل الوفود التي تزورها، والعروض التي يقدمها لها الوسطاء، إنما هي بدافع أميركي، ودليل على عدم قدرة واشنطن على شن الحرب وحسم النتيجة لمصلحتها. وهكذا تقرأ إيران في زيارة وفد السعودية، تركيا، وباكستان إليها، لذلك قرر الإيرانيون التشديد والتركيز على ضرورة التنسيق مع دول المنطقة وأن يكون الأمن مشتركاً في ما بينهم بلا أي استناد إلى قوىً خارجية، والتفسير الحرفي لذلك هو العودة إلى الشروط الإيرانية التي تطالب بانسحاب الأميركيين من المنطقة، وتطالب دول الخليج بإخراج الأميركيين من أراضيها وإغلاق القواعد العسكرية. وكان هذا أحد الطروحات الإيرانية لأجل تعزيز التنسيق الأمني والدفاعي وبناء تفاهمات، تماماً كما كان هذا هو تعليق الإيرانيين لدى مناقشتهم في السابق حول الانضمام إلى حلف مكة. ما ذهب به وفد "مكة" يشتمل على أكثر من نقطة، وقد يكون متدرجاً على مراحل: أولاً، خفض التصعيد والدخول في مفاوضات جدية مع واشنطن، ذلكَ لتجنب التصعيد في ظل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. ثانياً، وقف العمليات العسكرية في المنطقة خصوصاً في اليمن، وفتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن إيران. ثالثاً، الانتقال إلى مرحلة ثانية من التفاوض، تتعلق بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران وبدء عمليات البحث والتفتيش، مقابل رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة.