بعد سنوات من الجمود الذي أصاب قطاع الإسكان بفعل الأزمة المالية والمصرفية، يعود ملف السكن إلى واجهة النقاش الرسمي من بوابة مشروع "الإيجار التملّكي" وخطة لإعادة إطلاق القروض السكنية اعتباراً من عام 2027، ضمن مسعى لوضع استراتيجية وطنية طويلة الأمد تخفف أعباء السكن عن اللبنانيين وتعيد تفعيل دور المؤسسة العامة للإسكان. وفي هذا الإطار، عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بدعوة من رئيسه شارل عربيد ورئيس مجلس الإدارة المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان روني لحود، جلسة نقاش حول "مشروع الإيجار التملّكي وآفاق تأمين السكن في لبنان"، بمشاركة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد والنائب جورج عقيص. وحضر الجلسة نائب رئيس المجلس سعد الدين حميدي صقر، والمديرة العامة لوزارة الشؤون الاجتماعية القاضية هالة المولى، ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، ونقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين وليد موسى، ورئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة باتريك رزق الله، ونائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة نبيل فهد، ومازن حلاوي عن مصرف لبنان، ورئيس المجلس الوطني للاقتصاديين اللبنانيين صلاح عسيران، ورئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، ورئيس اتحاد بلديات كسروان الياس بعينو، ورئيسة جمعية السيدات القياديات مديحة رسلان، ورئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبد الله، ورئيسة نقابة موظفي "أوجيرو" إيميلي نصار، إلى جانب أعضاء المجلس ومهتمين. وبعد نقاش حول الواقع السكني في لبنان، عرض لحود "خارطة طريق لاستراتيجية وطنية للإسكان"، مؤكداً أنه "لا يمكننا تحقيق النهوض الاقتصادي والأمن الاجتماعي في غياب تحريك عجلة الإسكان"، ومشيراً إلى وجود فرصة لإطلاق القروض السكنية في عام 2027، إضافة إلى القروض المرتبطة بمشاريع الطاقة الشمسية. وأوضح أن الخطة تشمل أكثر من مسار، بينها القروض السكنية، إضافة إلى الأراضي التابعة للمؤسسة العامة للإسكان، والتي سيبدأ تحريكها مطلع العام المقبل، على أن تُؤجر الأراضي الواقعة ضمن المناطق الصناعية للصناعيين، فيما تُستخدم الأراضي الواقعة في المناطق السكنية لبناء وحدات سكنية. كما شدد على أهمية تشجيع البلديات على التعاون مع المؤسسة والقطاع الخاص والمساهمة في الحد من نقص السكن. وأشار لحود إلى أن الخطة تتضمن أيضاً مشروع الإيجار التملّكي المخصص لذوي الدخل الأكثر فقراً ممن لا يملكون القدرة على تأمين الدفعة الأولى المطلوبة للتملك، على أن يتم التملك على المدى الطويل، مع ضرورة توفير حوافز ضريبية للمالك والمطور العقاري. من جهته، أكد عربيد أن ملف السكن "اجتماعي بامتياز"، معتبراً أنه "لا استقرار ولا حماية اجتماعية إذا لم يكن السكن لائقاً على كل المستويات". ولفت إلى أن أزمة عام 2019، وخصوصاً الأزمة المصرفية، حالت دون استمرار تطور القطاع السكني الذي كان ينمو سابقاً في ظل خطط وبرامج أتاحت حتى لذوي الدخل المحدود الاستفادة من القروض. وتساءل: "كيف يمكننا أن نشجع الشباب على البقاء في لبنان إذا لم نؤمن لهم الحد الأدنى من السكن اللائق، أكان لجهة الإيجار أو التملك أو الإيجار التملّكي؟". وشدد عربيد على ضرورة وضع سياسة وطنية طويلة الأمد تمتد لـ5 أو 10 سنوات ولا تتبدل مع تغير الحكومات، معرباً عن أمله في أن تقود مساعي وزيرة الشؤون الاجتماعية والحكومة ورئيسها إلى استراتيجية وطنية ثابتة في هذا المجال، يواكبها استقرار في التشريع. كما أكد أن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يتحقق عبر العطاءات وحدها، بل من خلال توسيع الإنتاج والعمل على تكافؤ الفرص ومكافحة الفقر والبطالة. بدورها، قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد إن لبنان يمر "بسلسلة من الأزمات المتتالية التي تفاقمت حدتها مع تداعيات الحرب الأخيرة وأزمة عام 2024"، ما وضع ملف السكن في صدارة التحديات الملحة. وأشارت إلى أنها، منذ توليها مهامها الوزارية والوصاية على المؤسسة العامة للإسكان، لمست أهمية هذا القطاع كركيزة أساسية من ركائز العمل الاجتماعي، موضحة أنه جرى الاتفاق على "نفخ الروح" في المؤسسة وإعادة تفعيل دورها بعد توقفها لسنوات عن أداء عملها بالشكل المعهود قبل عام 2019. وأكدت السيد أن معالجة أزمة السكن تتطلب أكثر من حلول مؤقتة، وتحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة وخارطة طريق تحدد المسار المستقبلي، على أن ترتكز في المقام الأول على تكريس حق المواطن في الحصول على سكن لائق، ولا سيما كبار السن. وكشفت أن الاستراتيجية ستُعرض لاحقاً على مجلس الوزراء للحصول على موافقة وطنية عليها، بما يشكل، وفق ما قالت، خطوة هي الأولى من نوعها في البلاد. وأوضحت أن إعداد الاستراتيجية سبقته جلسات تشاورية عدة شاركت فيها مختلف الأطراف المعنية، فيما لا يزال العمل مستمراً على تعديل المسودة استناداً إلى المل