في مسعى لإعادة تموضع لبنان على خريطة النقل والتجارة والطاقة في المنطقة، كشف وزير المالية ياسين جابر عن تقدّم العمل مع البنك الدولي لإعداد خطة واسعة للترابط الإقليمي تربط لبنان بسوريا والعراق والدول المجاورة، بالتوازي مع التحضير لبرنامج قروض ميسّرة للطاقة الشمسية يستهدف خصوصاً ذوي الدخل المحدود، مؤكداً أن صعوبة الظروف التي يمر بها لبنان لا تعفي الدولة من التخطيط للمستقبل. وجاء كلام جابر عقب اجتماع عقده مع وفد من البنك الدولي برئاسة مدير مكتب بيروت إنريكي أرماس، وضم خبراء من اختصاصات مختلفة، قدّموا عروضاً حول التقدم المحرز في الدراسات المتعلقة بالترابط الإقليمي، كما جرى البحث في سبل تمويل المشاريع وآليات إعداد برنامج القروض الميسّرة للطاقة الشمسية. وحضر الاجتماع مستشار رئيس الحكومة ساطع أرناؤط، وعن وزارة المالية مدير المالية العام جورج معراوي والمستشارتان كلودين كركي وزينة قاسم. وأوضح جابر أن العمل مع البنك الدولي بدأ منذ فترة على إعداد خطة للترابط الإقليمي بين لبنان وسوريا والعراق والمنطقة المجاورة، مشيراً إلى أن الدراسات تتناول كيفية تعزيز التواصل البري والجوي، والتجارة، وخطوط النفط، وغيرها من القطاعات التي من شأنها تعزيز التكامل بين دول المنطقة. وكشف أن التقدم المحرز في هذه الدراسات يمهد لعقد مؤتمر داخلي في لبنان خلال كانون الأول المقبل، بمشاركة الوزارات المعنية والقطاع الخاص، للبحث في الخطوات العملية للمشروع، على أن يعقبه مؤتمر إقليمي في مطلع عام 2027، بدعوة من البنك الدولي، بهدف التنسيق بين لبنان والدول المجاورة. ووصف جابر المشروع بأنه "مهم جداً للبنان"، لافتاً إلى أنه يهدف إلى تحقيق مستوى أكبر من التكامل والتواصل والتعاون الاقتصادي. وأشار إلى أن رئيس البنك الدولي الدكتور بانغا كان قد شدد، خلال لقاءات في بانكوك، على وجود فرصة قد لا تتكرر أمام دول المنطقة لخلق منطقة اقتصادية جديدة، فيما اعتبرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي أن تعزيز الانفتاح والتعاون بين هذه الدول يمكن أن يرفع نمو اقتصاد كل منها بما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي. وفي موازاة ذلك، كشف جابر أن الحكومة قررت العمل على توفير قروض ميسّرة للراغبين في الاستفادة من الطاقة الشمسية، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، قائلاً إن لبنان يملك "ثروة هي الشمس"، مع نحو 300 يوم مشمس سنوياً، ما يتيح توسيع الاعتماد على الطاقة الشمسية وتخفيف ارتباط المواطنين تدريجياً بمولدات الكهرباء. وأوضح أن المشروع سيبدأ بمساهمة تقارب 20 مليون دولار من الخزينة اللبنانية، مع إمكان توفير نحو 20 مليون دولار إضافية كمنحة من البنك الدولي، على أن تسعى الحكومة إلى زيادة هذه المبالغ مستقبلاً بحسب حجم الطلب. وأضاف أن وزارة المالية تعمل مع البنك الدولي على وضع آلية واضحة لإنفاق الأموال ومنح القروض، معرباً عن أمله في أن يوافق مجلس النواب سريعاً على الاعتمادات المطلوبة، بما يسمح بإطلاق المشروع في أقرب وقت. ورداً على سؤال حول إمكان مساهمة البنك الدولي في تمويل مشاريع الطاقة والتجارة وغيرها، أكد جابر أن هذا الأمر كان موضع بحث خلال الاجتماع. أما بشأن ارتباط الخطة بمشروع "إيمك"، فأوضح أن المشروع يشكل جزءاً من الرؤية الأوسع للترابط الإقليمي، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن النقاش لا يقتصر عليه، بل يشمل تطوير العلاقات الاقتصادية مع دول أخرى في المنطقة. وفي هذا السياق، لفت إلى أنه بحث مع السفير المصري الجديد في لبنان تميم خِلاف إمكان تحقيق مزيد من التكامل بين لبنان ومصر، بما في ذلك دراسة إنشاء خط نقل مباشر ومنتظم بين بيروت وأحد الموانئ المصرية وتعزيز الحركة التجارية بين البلدين. كما أشار إلى أهمية الاستفادة بصورة أكبر من الاتفاقيات التجارية التي انضم إليها لبنان، ومنها الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي واتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، من خلال إزالة العقبات التي تعترض دخول البضائع وتسهيل حركة التجارة. وتوقف جابر عند أهمية تطوير الممرات الحدودية البرية، مشيراً إلى زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني معبر المصنع قبل أيام، ومشدداً على ضرورة تحسين المعابر وتسهيل انتقال البضائع والأشخاص عبر الحدود. وأكد أن مفهوم الترابط لا يقتصر على التجارة، بل يشمل تطوير شبكات النقل والسكك الحديدية، كاشفاً عن وجود دراسة لإنشاء خط سكة حديد بين طرابلس وحمص. لكنه شدد على أن الجدوى الحقيقية لهذا المشروع تتطلب عدم توقف الخط عند حمص، بل ربطه لاحقاً بالعراق والخليج ضمن رؤية إقليمية متكاملة، قائلاً: "إذا لم تكن هناك، بالتزامن، خطة لربطه من حمص بالعراق والخليج، فلن نكون قد استفدنا كثيراً". واعتبر أن نجاح أي مشروع للتكامل الإقليمي يحتاج إلى تنسيق شامل بين الدول المعنية، مستشهداً بتجربة الاتحاد الأوروبي، حي