العقيدة الدفاعية التي تبنّتها إسرائيل بعد "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول /أكتوبر 2023 تشمل كل شيء يفتح الباب أمام تعاون مكشوف مع المملكة العربية السعودية ضد حوثيي اليمن المدعومين من إيران الذين يستهدفونها على نحو شبه يومي. لكن الثانية ترفض ذلك وتربطه بقبول إسرائيل فتح ممر لإقامة دولة فلسطينية مستقلّة، بل تعتبره شرطاً مسبقاً لإقامة علاقة ديبلوماسية معها. في أي حال، تبدو الإستراتيجيات السعودية والإسرائيلية متعارضة كلياً. فالأولى ترى في التعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي حجري زاوية لسياساتها، بدل الحرب الدائمة والضربات الاستباقية والاحتلال التي تشكل مجتمعة العقيدة الدفاعية الإسرائيلية. عرض رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو قبل نحو أسبوعين تقريباً مساعدة السعودية في اليمن، آملا أن يفتح ذلك الباب أمام تعاون أمني وثيق مع المملكة ويعبِّد الطريق أمام اعتراف سعودي بإسرائيل. وإذا لم تغلق الحرب التي تخوضها إسرائيل منذ ثلاث سنوات الباب أمام تعاون مفتوح مع السعودية، فإن عقيدة ما بعد 7 أكتوبر كما عبّر عنها نتنياهو وجنرال الاحتياط تامير هايمان أغلقته. وقد عبّر نتنياهو عن العقيدة بالقول إن "حرب التحرير والانعتاق فرضت مبادئ أساسية رفيعة في العقيدة الدفاعية الوطنية التخليدية، منها أولوية الوقاية والهجوم على الاحتواء والدفاع. يشمل ذلك تنفيذ ضربات وقائية لتبديد التهديدات والقضاء عليها، وتقوية الجبهة الأمامية الداخلية لمواجهة تهديدات جديدة، وتثبيت وضع إسرائيل قوة إقليمية، وبناء استقلال الحدّ الأقصى في موضوع الذخائر، وضمان التفوّق في معظم التكنولوجيات المتقدمة، وتكثيف القتال ضد الموجات الجماعية والشاملة المعادية للسامية". ولقد وصف هايمن هذا الموضوع الفلسطيني بأنه "مؤامرة عربية لتدمير إسرائيل"، وأكد أن الحرب والمستوطنات والاحتلال والضربات الوقائية الاستباقية ضرورية ومهمة جدا للأمن الوطني. وقال إن إعتبار السلام غير قابل للتحقق يفترض زعزعة استقرار الدول العربية التي وصفها بأنها "مجموعة قبائل ومجموعات إثنية". واعتبر أن للهوية اليهودية الأولوية على الديموقراطية. وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان آل سعود وقائد الجيش الباكستاني الجنرال سيد عاصم منير خلال اجتماع مع رئيس المخابرات التركية، والرئيس الإيراني، ووزير الخارجية، ورئيس مجلس الأمن القومي في طهران وفي أول إيجاز له للصحافة منذ هجوم 7 أكتوبر، صرّح نتنياهو: "غيّرنا الشرق الأوسط لأننا غيّرنا أنفسنا". تصريحات نتنياهو وهايمان الإستراتيجية يرجّح أن تعزّز الشعور المعادي لإسرائيل في المملكة العربية السعودية والخليج والعالم الإسلامي الأوسع، جراء انعكاسات الحروب في إيران وغزة ولبنان والاختراق الإسرائيلي لجزء من سوريا. يجعل ذلك التعاون العسكري في هجمات على دول عربية مثل اليمن أمرا مستحيلا، ومن شأنه تعقيد تعاون معلن سعودي - إسرائيلي. ورغم كونه أوتوقراطياً، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يحتفظ بقبضة جدّية عن المزاج الشعبي في بلاده، وخصوصاً عندما يكون في موقع الدفاع جرّاء حساباته الإستراتيجية في التعامل مع اليمن وأنصار الحوثيين فيه. قبل سنة طالب بن سلمان بقيادة العالمين العربي والإسلامي وبدور أساسي في مجموعة العشرين. لكن مملكته تراجعت وتهدّد استقرارها. هذا ما قالته كارين إليوت هاوس في كتابيها عن السعودية: "لا يزال غير ناضج مسح بن سلمان عن قيادة المملكة. فوالده المريض قد يتوفاه الله وعمره تسعون اليوم، وبذلك تصبح مملكته تحت التهديد، علماً أنه يضبط المملكة رغم إخضاعه وصحبه أعداءه الدينيين والملكيين. فهو لا يزال يسيطر على القوات العسكرية والأمنية السعودية". "حتى لو كان بن سلمان سيوافق على تعاون مع إسرائيل في الحرب ضد الحوثيين"، يقول باحث آسيوي مهم وبارز غير عربي، فإنه "يخشى إعلان نتنياهو ذلك إذا وجد أن الأمر يفيد مصالحه الشخصية، وأهمها الفوز في الانتخابات التشريعية اليوم. إلى ذلك قد لا يثق بن سلمان برئيس أميركا دونالد ترامب لإبقاء التعاون المذكور أعلاه سرياً. لقد ضغط ترامب على بن سلمان مرات عدة للاعتراف بإسرائيل بإعلان ذلك شرطاً مسبقاً لبيع المملكة تكنولوجيا نووية. أضف أن السعودية لا تريد أن تُرى متعانقة مع إسرائيل، فيما يفكر القادة الإسرائيليون في قطع علاقة بلادهم مع أميركا، على غرابة ذلك واستبعاده". قال نتنياهو في وقت سابق أن إسرائيل ستكون "أثينا وإسبرطة" القديمتين مجتمعتين، وستكفي نفسها. فالولايات المتحدة في رأي بعض الكتّاب الأميركيين قد تسير نحو الضعف، لذا قد تتخلّى عن الدولة اليهودية، وهي حليف أساسي لها من خارج حلف شمال الأطلسي. اعترف نتنياهو أمام الإعلام الإسرائيلي باحتمال الفصل مع أميركا رغم إلحاحه على فعل أي شيء للبقاء في انخراط تام معها. "على إسرائيل القيام بتحالفات أخرى"، يقول، "وهذا م