بعد نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد، تتبدل ملامح المشهد في جنوب سوريا تدريجيًا، بعدما تحوّل ما بدأ كمحاولة إسرائيلية لإنشاء حزام أمني وراء الحدود إلى مصدر احتكاك متزايد مع السلطة الجديدة في دمشق، وسط تعزيزات للجيش السوري، وتصاعد نشاط الجيش الإسرائيلي جوًا، وظهور مؤشرات على احتجاجات شعبية ضد الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة تطورات قد تضع دمشق وتل أبيب على مسار تصادمي، إذ عزز الجيش السوري للمرة الأولى منذ عامين قواته في جنوب البلاد، بالتوازي مع اتساع التحركات الجوية الإسرائيلية، فيما بدأت تظهر في عدد من المناطق السورية احتجاجات مدنية ضد وجود الجيش الإسرائيلي. ووفق تقرير نشره هذا الأسبوع موقع "The National" الإماراتي، انتشر نحو 3000 جندي سوري على الجبهة الغربية لمحافظة السويداء، وصل نحو 1000 منهم إلى المنطقة خلال الأسبوعين الأخيرين. ويأتي هذا التعزيز في وقت تحاول فيه دمشق استعادة سيطرتها على المحافظة ذات الغالبية الدرزية، حيث لا تزال ميليشيات محلية ترفض الاندماج الكامل في الجيش السوري. وفي المقابل، تخشى إسرائيل من تعرض الدروز لمزيد من الأذى، وكذلك من احتمال أن تتحول قوات مرتبطة بالسلطة السورية الجديدة إلى مصدر تهديد في المنطقة. ويأتي ذلك بعد أن سبق لإسرائيل أن منعت تحركات مشابهة للجيش السوري. وبالتوازي مع تحركات القوات السورية، تحدثت تقارير وتسجيلات مصورة عن تغيّر في المزاج داخل عدد من القرى والمدن السورية، مع تصاعد الاعتراض على الوجود الإسرائيلي. وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة مناطق احتجاجات امتدت من درعا والقنيطرة إلى دمشق وحمص وإدلب والحسكة. ووفق "معهد دراسات الأمن القومي"، فإن حجم الاحتجاجات وانتشارها الجغرافي يُعدان استثنائيين مقارنة بالفترة التي أعقبت سقوط الأسد. ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد السيادة السورية، وطالبوا بإنهاء وجود الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن وجود الجيش الإسرائيلي داخل سوريا مرّ حتى الآن بهدوء نسبي، وأن جنودًا خدموا هناك تحدثوا في مراحل سابقة عن مواقف إيجابية ومؤيدة من جانب بعض السكان المحليين. ومن بين العوامل التي ساهمت في تأجيج الاحتجاجات، مقتل شاب مصاب بمتلازمة داون خلال إحدى العمليات في القرى السورية. وقال الجيش الإسرائيلي إن القوة رصدت تهديدًا، وإن ظروف الحادث لا تزال قيد التحقيق. لكن بالنسبة إلى مدنيين سوريين، فإن هذا الحادث، إلى جانب المداهمات والتوقيفات والحواجز وعمليات تفتيش المنازل، ساهم في ترسيخ شعور بأن الوجود الإسرائيلي بات يؤثر في الحياة اليومية ويمسّ بسيادة الدولة. ومن وجهة نظر الرئيس السوري أحمد الشرع، لا يمكن للسلطة الاكتفاء بالحديث عن السيادة فيما تعمل قوات إسرائيلية داخل سوريا، في وقت تواصل فيه ميليشيات مسلحة التحرك بصورة مستقلة. وقد يكون تعزيز القوات حول السويداء جزءًا من محاولة دمشق لاستعادة السيطرة على المنطقة، لكنه في الوقت نفسه قد يضع الجيش السوري أمام الخطوط الحمراء الإسرائيلية. وكانت أحداث تموز 2025 قد أظهرت مدى خطورة هذا الاحتكاك، بعدما تقدمت قوات سورية نحو السويداء خلال موجة العنف ضد الدروز، فردّت إسرائيل بضرب أهداف عسكرية سورية، قبل أن تستهدف لاحقًا مجمع هيئة الأركان في دمشق. وأدت تلك الضربات إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب الجيش السوري من المدينة. ومع عودة القوات السورية إلى تعزيز وجودها في المنطقة، يبرز السؤال مجددًا حول ما إذا كانت إسرائيل ستكتفي بإطلاق التحذيرات، أم أنها ستتحرك عسكريًا إذا اعتبرت أن الخطوط الحمراء قد جرى تجاوزها. وتأتي هذه التطورات أيضًا في وقت يزيد فيه سلاح الجو الإسرائيلي من نشاطه داخل سوريا. وعلى الرغم من أن بعض التحركات الجوية لا ترتبط مباشرة بالملف السوري، فإن إسرائيل تواصل مراقبة الوضع في المنطقة خشية تجدد الهجمات ضد الدروز. ويشير التقرير إلى أن السياسة الإسرائيلية قد تنطوي على كلفة مرتفعة بعد 3 سنوات من الحرب، إذ إن توسع المداهمات والنشاط البري يزيد من خطر اتساع المعارضة للوجود الإسرائيلي خارج القرى القريبة من الحدود، وتحولها إلى حركة احتجاجية أوسع. وفي حال حدوث ذلك، قد يتعرض أحمد الشرع لضغوط شعبية تدفعه إلى تشديد مواقفه، كما قد يتحول الوجود الإسرائيلي داخل سوريا إلى قضية مركزية في معركة تثبيت شرعية حكمه، إلى جانب المخاوف من تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية. وفي المرحلة الحالية، لا توجد أدلة على أن دمشق اتخذت قرارًا بالمواجهة مع إسرائيل، كما لا يتضح ما إذا كانت التعزيزات العسكرية السورية تستهدف الجيش الإسرائيلي مباشرة. لكن الجمع بين حركة الجيش السوري، وتصاعد النشاط الإسرائيلي، والاحتجاجات الشعبية، يخلق