جدتي سكنة، لجهة أبي من عيتا الشعب القرية الجنوبية، صاحبة العينين الزرقاوين، رحلت عن هذا العالم في العام 1983 أي بعد عام على اجتياح إسرائيل للبنان. دفناها في مقبرة الخراب في مدينة صور إلى جوار جدي الذي سبقها إلى تلك البقعة الجميلة من لبنان، حيث دفن أخي ودفنت أختي. طفلان رحلا قبل أن يدركا شيئاً عن هذا العالم المليء بالشر. أذكر جدتي تحب الحبق، تخفي في صرة من قماش حبات السكر نبات، تطعمنا منها حين نتودد إليها، وعندما نجلس حول سريرها كي تحكي لنا قصة الثعلب أبو الحصين. تحب أن تقرأ ما حفظت من القرآن الكريم، تطلب مني أن أفتح لها القرآن على سور تختارها وأن اقرأ الكلمة الأولى فقط، أقرأ الكلمة الأولى وتنطلق جدتي بتجويد لا بأس به لما حفظته عن ظهر قلب. يوم وفاتها وقفت أراقب الموت بعيني طفلة غلب فضولها حزنها. لم تكن المرة الأولى التي أجلس فيها بحضرة الموت. شهدت وفاة شقيقتي الصغرى قبل ذلك بسنوات قليلة، في الحالتين كنت شاهدًا غير مرئي، الكل مشغول بما يلي لحظة إعلان الموت. لا أذكر أنني بكيت يوم ماتت أختي بقدر ما كان مشهدًا مؤلمًا لا يزال حيًا محفورًا في ذاكرتي. أمي تبكي صغيرتها، تجمعت نسوة قريبات حولها، نصحنها أن تبتعد عن طفلتها كي تخرج الروح وتستريح من عذاب الاحتضار. كان موتها خبرًا بحجم كفيها الضئيلتين. أما يوم وفاة جدتي فقد حضر أقارب وأصحاب، حضر كل من عرف جدتي لوداع أخير، أبكاني بكاء أبي وحزنه على موتها. هالني احمرار عينيه الخضراوين، كان رقيق القلب. يوم خرجت أختي الصغيرة من البيت، حملها أبي بين ذراعيه مثل هدية ملفوفة، خرجت وحيدة، أخذت معها جزءًا مني إلى عالم مجهول. أما جدتي فكانت لها رحلة أخيرة على الأكتاف من البيت إلى المقبرة في مدينة صور. بعد كل هذه السنوات أستعيد ذكرى جدتي وأخوانها وأخواتها مع أحد أبناء قريتها الذين هُدمت بيوتهم وهجروا من عيتا الشعب إلى أجل غير مسمى. أخبرني أن المسافة بين بيته الذي لم يعد موجودًا وبين قريتنا طربيخا التي لم تعد موجودة أيضاً، 800 متر فقط. رغم قصر المسافة ما جمعنا كانت الخسارة، تلك الإطلالة من بيت مهدم على حياة ما عادت موجودة. يلتقي الناس في الخسارات المتوارثة وتلك الطارئة، يصبحون أكثر قدرة على السرد، يتشاركون المرارة كأنها قدر ثم يستمرون في محاولة عيشهم. عاشت جدتي في طربيخا بعد زواجها من جدي، ثم نزحت معه إلى البص بالقرب من مدينة صور. تنقلت جدتي بعد وفاة جدي بين بيوت أبنائها لينتهي بها المطاف إلى جوار جدي بعيدًا من طربيخا، وبعيدًا من عيتا الشعب. جدتي التي كانت تحتفظ لنا بنبات السكر وبحكايات بدأت تتسرب من ذاكرتي وتختفي، يؤلمني غيابها كأنني ما عرفتها، يؤلمني غياب أبي، يؤلمني هذا الدمار الذي نشاهده بصمت وهذه البيوت التي تتحول إلى أشلاء وأطلال في الصور، وأكثر ما يؤلمني أننا نموت وندفن ودائع أو غرباء. وإن كانت هي أرض الله، فقد مُنحت أسماء من سكنوها، صارت ملكاً لهم وصرنا غرباء بعيدًا من قرانا.