دخلت الانتخابات الإسرائيلية، اليوم الثلاثاء، مرحلة شديدة الحساسية مع تسجيل نسبة مشاركة مرتفعة منذ ساعات الصباح، في تطور يفتح الباب أمام إعادة حسابات المعسكرين المتنافسين، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، وسط ترقب لمعرفة ما إذا كانت صناديق الاقتراع ستحسم المواجهة السياسية أم ستنتج كنيست جديداً من دون أكثرية واضحة. وبحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية "كان"، نقلاً عن لجنة الانتخابات المركزية، بلغت نسبة التصويت 31.5% حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً، وهي أعلى نسبة مسجلة عند هذه الساعة منذ عام 1977، بعدما كانت المشاركة قد وصلت إلى 16.68% عند العاشرة صباحاً، مقارنة مع 15.9% في الانتخابات السابقة. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ارتفاع المشاركة وحده، بل في تأثيرها المحتمل على توزيع المقاعد الـ120 في الكنيست، خصوصاً أن نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تقارباً في موازين القوى، من دون أن تمنح أياً من المعسكرين أكثرية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة. وتشير الاستطلاعات المنشورة قبيل الانتخابات إلى تقدم حزب "يشار!" بقيادة آيزنكوت على حزب الليكود في بعض القياسات، فيما بقيت مسألة تشكيل الائتلاف الحكومي مفتوحة على احتمالات متعددة، بسبب تشتت المقاعد بين الأحزاب والتباينات السياسية التي تعقّد بناء التحالفات. وتبرز هنا أهمية نسبة المشاركة، إذ إن ارتفاعها يزيد العدد الفعلي للأصوات المطلوبة لتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة. وبذلك، فإن الأحزاب الصغيرة التي تتحرك قرب هذه العتبة تواجه اختباراً إضافياً، لأن خسارة أحدها فرصة دخول الكنيست قد تؤثر في التوازن العام بين المعسكرات. ووفق حسابات انتخابية نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية قبل الاقتراع، فإن بلوغ المشاركة 70% قد يرفع عدد الأصوات اللازم لتجاوز نسبة الحسم إلى نحو 165 ألف صوت، فيما يرتفع العدد إلى نحو 177 ألفاً إذا وصلت المشاركة إلى 75%. وهي حسابات تقديرية تتوقف على العدد النهائي للأصوات الصحيحة. وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى نسبة مشاركة الناخبين العرب، الذين يشكلون كتلة انتخابية مؤثرة، بعدما أظهرت الانتخابات السابقة تفاوتاً في نسب إقبالهم على صناديق الاقتراع. ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية في ظل مشاركة القوائم العربية وقدرتها على التأثير في توزيع المقاعد البرلمانية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انضمامها إلى أي ائتلاف حكومي. لكن القراءة السياسية المبكرة لهذه الأرقام تبقى محفوفة بالحذر. فارتفاع نسبة الاقتراع على المستوى الإسرائيلي العام لا يكشف وحده هوية المستفيد، ما لم تتضح طبيعة المشاركة في المدن والمناطق المحسوبة تقليدياً على كل معسكر، إضافة إلى حجم التصويت في البلدات العربية والأوساط الحريدية. وتخوض إسرائيل هذه الانتخابات بمشاركة 7,331,981 ناخباً مؤهلاً، موزعين على 12,018 مركز اقتراع، فيما تتنافس 38 قائمة على مقاعد الكنيست. ومن المقرر إغلاق معظم الصناديق عند الساعة العاشرة مساءً، على أن تبدأ بعدها عملية فرز الأصوات وصدور العينات التلفزيونية الأولية، التي لا تمثل نتائج رسمية. وتتجاوز أهمية المعركة حدود السياسة الداخلية الإسرائيلية، إذ تترقب الأوساط الإقليمية، وفي مقدمها لبنان، هوية الحكومة المقبلة وتوجهاتها في الملفات الأمنية، ولا سيما المواجهة مع إيران، ومستقبل الجبهة الشمالية، والتعامل مع حزب الله، والمفاوضات والترتيبات الأمنية على الحدود اللبنانية. ومع ذلك، فإن ارتفاع المشاركة لا يسمح حتى الآن باستنتاج تبدل في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، كما أن اختلاف القيادة الحكومية لا يعني تلقائياً تغييراً في الخيارات العسكرية والأمنية. وبينما تتواصل عملية التصويت، تبقى ثلاثة أسئلة مفتوحة: هل تستمر المشاركة المرتفعة حتى إغلاق الصناديق؟ وهل تتمكن الأحزاب الصغيرة من تجاوز نسبة الحسم؟ وهل تفرز النتائج أكثرية قادرة على تشكيل حكومة، أم تعيد إسرائيل إلى مفاوضات ائتلافية معقدة؟ حتى الآن، المؤكد أن الناخبين الإسرائيليين يتوجهون بكثافة إلى الصناديق مقارنة بالمحطات السابقة عند الساعة نفسها. أما الجهة التي ستستفيد سياسياً من هذا الإقبال، فلن تتضح إلا مع تقدم الفرز وتوزيع المقاعد. فالمشاركة المرتفعة قد تغيّر الحسابات، لكنها لا تكشف وحدها هوية الحكومة المقبلة.