يُعد كتاب "من الطوائف إلى المواطنة" للكاتب يوسف مرتضى وثيقة نقدية تشرح أسباب تعثر قيام الدولة الحديثة في لبنان عبر تفكيك محطات تاريخية وسياسية مأزومة. ويستند الكتاب إلى وثائق ووقائع علمية لتشخيص عيوب البنية اللبنانية التي انحدرت نحو مصاف "الدول الفاشلة" بسبب طغيان المحاصصة وتعطيل الدستور. كما يستشرف المؤلف خريطة طريق للخروج من هذا النفق، ترتكز على التطبيق الكامل لاتفاق الطائف، وإلغاء الطائفية السياسية، واعتماد "قانون المجلسين". وتكمن قيمة العمل في تقديم دليل معرفي ووطني للجيل الصاعد والنخب السياسية لبناء دولة المواطنة والمؤسسات المدنية العادلة. لم يكن خروج كتاب "من الطوائف إلى المواطنة: لبنان في رحلة البحث عن الدولة" للكاتب والباحث اللبناني يوسف مرتضى مجرد إضافة عابرة إلى المكتبة السياسية اللبنانية، بل جاء كوثيقة نقدية مكثفة وقراءة تشريحية عميقة تجرأت على ملامسة الأسباب الثاوية خلف الفشل المتكرر للكيان اللبناني. الكتاب ليس مجرد سردٍ لتاريخ السياسة في لبنان، بل مشرط جراحٍ يفكك بنية "دولة المزرعة"، ويقرأ بوعي عميق أسباب التعثر التاريخي في إرساء مداميك الدولة الحديثة. ينطلق مرتضى في عمله الفكري من تجربة نضالية وميدانية طويلة، يمتزج فيها الوعي الأكاديمي بالحس الصحافي والسياسي السليم، ليتجاوز التوثيق التاريخي الروتيني نحو بناء رؤية تحليلية تفكك بنية "دولة المزرعة" ومحاصصاتها المقيتة. يقدم الكاتب نصاً رصيناً، متخففاً من الحشو والبلاغة المفرطة، ليعتمد بدلاً من ذلك جملةً قصيرةً، بليغةً، وموجهةً بالدرجة الأولى إلى الجيل الصاعد الذي عاصر انفجار الساحات في ثورة 17 تشرين الأول 2019، متسائلاً عن الجذور التي تحول دون قيام دولة قانون ومؤسسات عادلة. الأحداث والحبكة التاريخية: العود الأبدي للمأساة اللبنانية تنساب حبكة الكتاب عبر مسار كرونولوجي دقيق، يتتبع فيه الباحث مخاض الولادة اللبنانية منذ الإرهاصات الأولى لتأسيس الإمارة على يد فخر الدين المعني الثاني، الذي حاول وضع لبنة لكيان جامع يتجاوز الصغائر الطائفية، مروراً بانكفاء العهد الشهابي وانفجار الفتن الطائفية التي أدت إلى ابتدع صيغ هجينة كـ "القائمقاميتين" و"المتصرفية". تتصاعد الدراما التاريخية مع إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920 برعاية فرنسية، وما تلاه من الميثاق الوطني لعام 1943 الذي قام على معادلة "لا شرق ولا غرب". لكن الحبكة التي يكشفها مرتضى تُظهر كيف أن كل صياغة سياسية كانت تحمل في طياتها بذور فنائها، نتيجة غياب مفهوم المواطنة الكاملة المتساوية. تصل الأحداث إلى ذروتها الانفجارية مع اندلاع الحرب الأهلية (1975-1989)، والتي يراها مرتضى نتيجة حتمية لانسداد أفق الإصلاح السياسي وانخراط الأفرقاء المحليين في محاور الصراع الإقليمي والدولي على حساب سيادة الوطن. ولم يكن اتفاق الطائف عام 1989 سوى محاولة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. لكنه سرعان ما وقع في أسْر "الوصاية السورية" وتواطؤ المنظومة المحلية، مما أحال الدستور إلى نص استنسابي، وتسبب في الوصول إلى لحظة الانهيار المالي والاجتماعي الكامل. الشخصيات والزعامات: بين حلم الدولة وجشع السلطة يعيد الكتاب تقييم الأشخاص والزعامات السياسية التي طبعت تاريخ لبنان بمشرط نقدي لا يراعي الموروثات التقديسية. فخر الدين الثاني يظهر في النص كحاكم استشراقي مبكر حاول بناء اقتصاد مستقلّ وقومية لبنانية جامعة، لكن طموحه تصادم مع التوازنات السلطوية للسلطنة العثمانية. أما بالنسبة إلى الأمير بشير الثاني، فيُحلل الكاتب تجربته كدليل على تحالف السلطة والإقطاع، وكيف أدت سياساته الضريبية والتعسفية إلى اندلاع عاميات الفلاحين وشحن النفوس طائفياً. وكذلك يحظى الرئيس فؤاد شهاب بمكانة خاصة واستثنائية في التحليل النظري لمرتضى، إذ يُعتبر "شهاب" الرمز الوحيد الذي أدرك أن بناء الوطن يمر عبر التنمية الإدارية والاجتماعية والعدالة وتأسيس المؤسسات (مجلس الخدمة المدنية، الضمان الاجتماعي، مصرف لبنان). لكن مشروع شهاب اصطدم بمكائد الحلف الثلاثي وتدخلات الأجهزة الأمنية. يفكك مرتضى أدوار أمراء الحرب والمنظومة الحاكمة الذين تولوا مشهدية القيادات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الطائف، مشيراً إلى أن هاجس معظمهم كان ينحصر في التحاصص الغنائمي، واختطاف قرار السلم والحرب، وتفريخ النقابات والمؤسسات الطائفية الموازية للهياكل الشرعية. التفكيك القائم على الواقعة والوثيقة تكمن القوة العلمية للنقد الذي يقدمه الكتاب في ابتعاده عن الانطباعية والمواقف الإيديولوجية المسبقة، إذ يبني مرتضى تحليلاته على الواقعة التاريخية والوثيقة المكتوبة. يتجلى ذلك واضحاً حين يفكك النصوص الدستورية، أو عند قراءته محاضر الاجتماعات الحاسمة في تاريخ لبنان، مثل الوثيقة المرفقة في الكتاب التي تتضمن تفاصيل محضر الجلسة الموسعة بين