يجتمع هذا الأسبوع ممثلون عسكريون لبنانيون وإسرائيليون في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، لمناقشة تنفيذ ما يُسمّى بخطة "المناطق التجريبية" الرّامية إلى تعزيز نزع الجيش اللبناني لسلاح حزب الله. لكن من غير المرجح تحقيق أيّ تقدُّم ملحوظ، والأهم من ذلك أنّه من غير المرجح أن تسعى إسرائيل إلى ذلك أصلاً. تفيد التقارير بأنّ الاجتماع يُعقَد لمناقشة، من بين أمور أخرى، الجوانب الفنية للمناطق التجريبية، بما في ذلك آلية التحقُّق من عملية نزع السلاح. وقد تُناقش أيضاً مسألة رفض لبنان تفتيش المنازل الخاصة، حيث يُزعم أنّ حزب الله قد يخزِّن كميات كبيرة من الأسلحة، لأنّ ذلك يُعَدُّ انتهاكاً للقانون، فالمادة 14 من الدستور، على سبيل المثال، تؤكد على "حرمة مسكن المواطن". لكنّ هذه المسائل الفنية ليست هي السبب في عدم إحراز تقدُّم ملحوظ في خطة المناطق التجريبية منذ توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران/يونيو. يعود الأمر أساساً إلى رفض إسرائيل التنازل عن أيّ أراضٍ للسماح للجيش اللبناني بالتقدُّم في إطار الخطة. ويرتبط هذا إلى حد كبير برغبة إسرائيل في اتباع عقيدة أمنية في لبنان مستقلة عن أيّ قيود قد يفرضها أيّ اتفاق. ويبدو أنّ إسرائيل قد قبلت المفاوضات مع لبنان لسببين رئيسين: استرضاء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي دفعت باتجاه هذه العملية، والحصول على اتفاق مكتوب مع لبنان يبرِّر استمرار وجود إسرائيل في لبنان إذا لم تفِ بيروت بالشرط الأساسي المتمثل في نزع سلاح حزب الله. وقد نجح الإسرائيليون في كلا الأمرين؛ فالإدارة الأمريكية متفقة مع إسرائيل، ولا تمارس أيّ ضغط عليها لسحب قواتها من الأراضي اللبنانية. وفي الوقت نفسه، فرض اتفاق حزيران/يونيو جميع الشروط على الجانب اللبناني، وعلى رأسها نزع سلاح الحزب، من دون إلزام إسرائيل بتنفيذ أيّ شرط من الشروط. بل إنّ مصطلح "الانسحاب" غير موجود في الوثيقة، ولا يوجد جدول زمني لما يصفه النص بأنّه إعادة انتشار تدريجية [إسرائيلية] من الأراضي اللبنانية. يُقدِّم الاتفاق وعوداً غامضة بشأن الإجراءات الإسرائيلية، التي لا يُمكن تنفيذها إلا في حال اتخاذ لبنان إجراءات سابقة، من دون الاعتراف بسيادة لبنان على أراضيه، وسيادته على الأجزاء المحتلة من الجنوب مشروطة. فإسرائيل لا تتوقع من الحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله بالقوة، ممّا يمنحها ذريعة رسمية للبقاء في الجنوب إلى أجل غير مسمّى. وبالتالي، لدينا اتفاق معيب بنيوياً من شأنه أن يمنح الإسرائيليين، بفشله في تحقيق أيّ تقدُّم، هامشاً واسعاً لتنفيذ أجندتهم الأمنية في جنوب لبنان. وقد سوَّى الإسرائيليون بالفعل عشرات القرى ذات الأغلبية الشيعية بالأرض، وأحرقوا مساحات شاسعة من الحقول الزراعية وبساتين الزيتون، وقصفوا الأراضي بالفوسفور الأبيض، ممّا جعل زراعة الفاكهة والخضراوات مستحيلة. والهدف هنا مشابه للهدف المُستخدم في غزة، وهو جعل المنطقة الحدودية الجنوبية غير صالحة للسُكنى، في احتلال قد يكون مفتوحاً إلى أجل غير مُسمّى. ويأتي هذا في وقتٍ شهدت فيه العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحولاً جذرياً، واختلافاً كبيراً عمّا كانت عليه في الماضي. في مقالٍ أثار جدلاً واسعاً، ونُشر لصالح معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي، أوضح تامر هايمان، الرئيس السابق لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ما اعتبره نهجاً إسرائيلياً جديداً للأمن. وسيكون لهذا النهج أثرٌ جوهري على كيفية تعامل إسرائيل مع لبنان. تبرز خمسة استنتاجات في مقال هايمان؛ أوّلها أنّ إسرائيل تنظر إلى السلام كوسيلة لا غاية، وأنّ "أيّ اتفاق مع الأطراف العربية هو اتفاق مؤقت ومضلل". ثانيها أنّ الدول العربية ليست دولاً قومية حقيقية، بل "تجمعات من جماعات عرقية تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية"، وفي ضوء ذلك، "يُنظر إلى تقويض استقرارها على أنّه عملية طبيعية". ويخلص هايمان إلى استنتاج ثالث مفاده أنّ "الحرب ضرورية للأمن القومي لإسرائيل، ولا يمكن استبدالها بحالة سلام"، ورابع مفاده أنّ إسرائيل يجب ألّا تبقى معتمدة على الولايات المتحدة ذات "القوة المتراجعة"، وأنّ تحولاتها ستؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عن إسرائيل. ويخلص استنتاج خامس إلى أنّه على الإسرائيليين تبنّي استراتيجية دفاعية استباقية من خلال "مناطق دفاعية" تُمكِّن إسرائيل من نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن. يستند تحليل هايمان المتشائم إلى معرفته العميقة بالفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، لكنّ آخرين توصلوا إلى استنتاجات مماثلة. وفي ضوء ذلك، فإنّ من يعتقدون أنّ السلام اللبناني الإسرائيلي أولوية لإسرائيل ساذجون. فبدلاً من ذلك، تسعى إسرائيل إلى تفتيت جيرانها، مثل لبنان وسوريا، وزعزعة استقرارهم، والحفاظ على مناطق عازلة داخل أراضيهم، وم