كان النفط ولا يزال أحد العوامل التي تحدد اتجاه الاقتصاد العالمي، من كلفة الإنتاج والنقل إلى معدلات التضخم والنمو الاقتصادي. لكن قدرة العالم على تحمّل ارتفاع أسعار النفط ليست ثابتة، بل تتغير بحسب حجم الصدمة، ومدى استمرارها، وقدرة الاقتصادات على إيجاد بدائل للإمدادات المتضررة. اليوم، مع تداول خام برنت قرب 115 دولاراً للبرميل في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026، تعود المقارنة مع أزمة الحظر النفطي العربي في 1973، حين واجه العالم واحدة من أبرز الصدمات الاقتصادية في تاريخه الحديث. لفهم حجم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى تشرين الأول/أكتوبر 1973، عندما فرضت الدول العربية المصدّرة للنفط حظراً على الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، تزامناً مع خفض الإنتاج، رداً على الدعم الأميركي لإسرائيل خلال حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر ضد مصر وسوريا. لم تكن الأسواق مستعدة لمثل هذه الصدمة، خصوصاً أن النفط كان يشكل عنصراً أساسياً في تشغيل المصانع ووسائل النقل وتوليد الطاقة، في وقت كانت فيه كفاءة الاستهلاك أقل والبدائل محدودة. ونتيجة لذلك، ارتفع سعر البرميل من 2.90 دولارين قبل الحظر إلى 11.65 دولاراً في كانون الثاني/يناير 1974، أي ما يقارب 4 أضعاف خلال أشهر قليلة. ورغم رفع الحظر في آذار/مارس 1974، بقيت الأسعار أعلى من مستوياتها السابقة، فيما تحولت أزمة الإمدادات إلى أزمة اقتصادية أوسع نطاقاً. مقارنة تلك الأسعار بأسعار اليوم تتطلب النظر إلى التضخم، لا إلى الأرقام الاسمية وحدها. فبرميل النفط الذي كان يبلغ متوسط سعره السنوي نحو 3.29 دولارات في 1973 يعادل نحو 25 دولاراً بقيمة الدولار في آب/أغسطس 2026، بينما بلغ متوسط السعر في 1974 ما يعادل نحو 79 دولاراً بالقيمة نفسها، وفق بيانات تاريخية معدّلة بالتضخم. وهذا يعني أن أسعار النفط الحالية، عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، أعلى من متوسط أسعار عام 1974 بعد احتساب التضخم، لكنها لا تمثل بالضرورة أعلى مستوى حقيقي عرفته الأسواق؛ فقد سجلت أسعار النفط مستويات أعلى عند احتساب التضخم خلال فترات لاحقة، أبرزها عام 2008. مع ذلك، لا تكمن أهمية المقارنة في تحديد أي الفترتين شهدت السعر الأعلى فحسب، بل في فهم حجم الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد العالمي. ففي 1973، أدى الحظر وتخفيض الإنتاج إلى فقدان نحو 4.5 ملايين برميل يومياً من الإمدادات العالمية، أي نحو 7% من المعروض آنذاك، فيما ارتبطت الأزمة الراهنة بتعطّل حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. وهكذا، تختلف طبيعة الأزمة الحالية عن أزمة السبعينيات، إذ لا يتعلق الأمر بالسعر فقط، بل بحجم الإمدادات المهددة وصعوبة إيصالها إلى الأسواق في الوقت المناسب. هذا الاختلاف يفسر لماذا لا يمكن اعتبار سعر النفط وحده مقياساً كافياً لتحديد مدى خطورة الأزمة. فقد يستطيع الاقتصاد العالمي التكيف مع أسعار مرتفعة نسبياً إذا بقيت الإمدادات متاحة واستطاعت الشركات والمستهلكون توزيع التكاليف على مدى زمني أطول. لكن ارتفاع الأسعار يصبح أكثر خطورة عندما يتزامن مع نقص فعلي في المعروض، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع المخزونات، واضطرار الشركات إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على الوقود والمواد الأولية. وفي مثل هذه الظروف، تنتقل الصدمة من سوق الطاقة إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة، قبل أن تظهر آثارها على أسعار السلع والخدمات والقوة الشرائية للأسر. رغم أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل اعتماداً على النفط مقارنة بالسبعينيات، فإنه لم يتخلص من حساسيته تجاهه. فقد دفعت الأزمات السابقة الدول إلى تحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير حقول إنتاج خارج مناطق التوتر، وإنشاء احتياطيات استراتيجية يمكن استخدامها عند حدوث اضطرابات كبيرة. كما ساهم انتشار الطاقة المتجددة والتطور التكنولوجي في توفير بدائل لمصادر الطاقة التقليدية في بعض القطاعات. هذه التحولات لا تعني أن ارتفاع أسعار النفط أصبح أقل أهمية في جميع الظروف. فالنفط لا يزال عنصراً أساسياً في النقل البحري والجوي والبري، وفي إنتاج العديد من المواد المستخدمة في الصناعات الكيميائية والبتروكيماوية. كما أن التحول إلى بدائل الطاقة لا يحدث بالسرعة نفسها في جميع الاقتصادات والقطاعات. وقد تتمكن دولة تمتلك إنتاجاً محلياً واحتياطيات مالية كبيرة من امتصاص الصدمة لفترة أطول، في حين تواجه دولة تعتمد على الاستيراد وتملك قدرة محدودة على دعم المستهلكين ضغوطاً أكبر حتى عند مستويات سعرية أقل. تظهر هنا أهمية السؤال عن الحد الأقصى الذي يستطيع العالم تحمّله: لا توجد عتبة سعرية واحدة تؤدي تلقائياً إلى الركود الاقتصادي، ولا يمكن القول إن بلوغ النفط 150 أو 200 دولار للبرم